حين بدأت شهد الحجار عامها الثالث في كلية الطب بجامعة الأزهر في غزة، كانت تتخيل أن أصعب ما ينتظرها هو الامتحانات والتدريب السريري الطويل. لكن اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 أوقف حياتها الجامعية فجأة؛ تضررت الجامعة، واختفت فرص التدريب، وأصبح السؤال اليومي متعلقًا بالنجاة بدلًا من المحاضرات والمستقبل.

غادرت شهد غزة مع عائلتها إلى داغستان في روسيا. لم تكن الرحلة انتقالًا طبيعيًا بين جامعتين، بل محاولة لإنقاذ ما تبقى من حياتها وتعليمها. هناك التحقت بسنة تحضيرية لمتابعة الطب، وعملت في تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها حتى تستطيع إعالة نفسها. وبعد نحو تسعة أشهر، استأنفت جامعة الأزهر بعض الدراسة الطبية عبر الإنترنت، فعادت شهد إلى مقررات سنتها الثالثة، رغم البعد والقلق وعدم وضوح الطريق.

وسط هذه الظروف، عثرت على إعلان لمسابقة في المهارات الجراحية بجامعة أكسفورد البريطانية. تقدمت مثل مئات الطلبة، ونجحت في الوصول إلى قائمة أفضل سبعة مشاركين من بين أكثر من 700 متقدم. أهلها هذا الإنجاز للمشاركة في مدرستين صيفيتين للتدريب على المهارات الجراحية في أكسفورد، لكن الحصول على التأشيرة استغرق شهرين جديدين من الانتظار.

لم تكن أكسفورد محطة تعليمية فقط، بل بابًا فتح أبوابًا أخرى. خلال وجودها في بريطانيا، قادتها سلسلة من المعارف والأطباء إلى أساتذة في كلية الطب بجامعة أستون في برمنغهام. رأى هؤلاء أن شهد مرشحة مناسبة لبرنامج تجريبي ممول من المتبرعين، يهدف إلى مساعدة طلبة الطب الذين تعطلت دراستهم بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية.

ولا يتوقف أثر المبادرة عند شهد؛ فقد حصلت الجامعة على تمويل لاستضافة ثمانية طلبة طب من مناطق الصراع والكوارث، وتغطي المنحة السفر والسكن والمعيشة، بينما توفر جهات التدريب خدماتها مجانًا. وبذلك تتحول قصتها إلى نموذج يوضح كيف تستطيع الجامعات حماية المعرفة، ومنع الحرب من إهدار كوادر صحية يحتاج إليها المجتمع مستقبلًا.

أصبحت شهد أول طالبة طب من غزة تستقبلها جامعة أستون ضمن البرنامج. وبعد انقطاع دام نحو 18 شهرًا عن التعليم النظامي، عادت إلى المحاضرات والتدريب داخل عيادة للطب العام في دارلاستون قرب برمنغهام. ويشمل برنامجها متابعة العمل الطبي، والتعلم مع طلبة الجامعة، والمشاركة في رعاية المرضى تحت إشراف أطباء مختصين.

هنا تبدو الحرية في أبسط صورها: أن تتمكن طالبة من دخول مستشفى من دون خوف، وأن تخطط لأسبوعها الدراسي، وأن تسأل أستاذها عن حالة طبية بدلًا من التساؤل عما إذا كانت جامعتها ستبقى قائمة في اليوم التالي. غير أن نجاح شهد لا يعني أن الحرب أصبحت مجرد ذكرى؛ فتجربتها ترافقها وتمنح حلمها معنى أكثر إلحاحًا.

تطمح شهد إلى أن تصبح طبيبة أسرة، متأثرة بالأطباء الذين واصلوا علاج المرضى وتعليم الطلبة رغم الخطر ونقص الإمكانات. وهي ترى أن إكمال تعليمها ليس إنجازًا شخصيًا فقط، بل استعداد لخدمة مجتمع يحتاج إلى أعداد كبيرة من الأطباء بعد تضرر منظومته الصحية.

قصة شهد تكشف أن المواهب لا تختفي عندما تُقصف الجامعات، لكنها قد تحتاج إلى فرصة ومساحة آمنة كي تظهر. أوروبا لم تمنحها الطموح؛ فقد حملته معها من غزة. ما قدمته لها بريطانيا هو الطريق الذي يسمح لهذا الطموح بأن يتحول إلى معرفة وخبرة وعمل. وبين قاعة دراسية مدمرة وعيادة تستقبلها متدربة، تواصل شهد رحلتها نحو المهنة التي اختارتها، محتفظة بهدف واضح: أن يصبح العلم الذي أنقذ مستقبلها وسيلة لمساعدة الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *