
لم يكن في يد محمد حِلّس داخل مخيم النزوح كمان صالح للعزف. كانت الآلة التي عثر عليها تحمل وترين فقط، فاستعان مع زملائه بأوتار غيتار، ثم بأسلاك مكابح دراجة عندما انقطعت الأوتار من جديد. لم يكن الصوت مثاليًا، لكنه كان كافيًا ليمنح مجموعة من أطفال غزة دقائق يبتعدون فيها عن ضجيج الحرب والخوف.
محمد، عازف كمان وفيولا من غزة، عرف الموسيقى منذ سنواته المبكرة، ودرس في معهد إدوارد سعيد للموسيقى. كان يحلم بالسفر إلى أوروبا ودراسة الفن بصورة احترافية، لكن غياب المنحة دفعه إلى الالتحاق بجامعة الأزهر، حيث درس الأدبين الإنجليزي والفرنسي. ومنذ عام 2020، عمل في تعليم الموسيقى للأطفال وشارك في أنشطة المعهد الفرنسي في غزة، محتفظًا بحلمه رغم محدودية الفرص المتاحة للفنانين.
عندما اندلعت الحرب، غادر محمد منزله مع والديه وشقيقه، تاركًا خلفه آلتي كمان وفيولا حتى لا يعرّض حملها عائلته للخطر أثناء الفرار. بعد أسبوع، دُمّر المنزل وضاعت الآلات وذكريات الطفولة. وعلى امتداد عام ونصف تقريبًا، تنقل مع عائلته بين أماكن النزوح سبع مرات، وعاش داخل خيمة، منتظرًا الماء والطعام والأخبار.
وسط هذه الحياة، واصل تعلم اللغة الفرنسية بمفرده من خلال المقاطع الصوتية والمرئية التي كان يستطيع الوصول إليها. وفي أحد المخيمات، تعاون مع موسيقيين آخرين لتنظيم دروس لمجموعة من الأطفال. هناك اكتشف أن الموسيقى لا توقف القصف، لكنها تستطيع أن تمنح الطفل استراحة نفسية، وتحفظ داخله مساحة للجمال والخيال.
كان محمد قد حصل في يناير/كانون الثاني 2024 على منحة للدراسة في مركز إعداد الموسيقيين التابع لجامعة باريس-ساكلاي، بمساعدة مدرسة موسيقى فرنسية تعرفت إلى موهبته في غزة قبل سنوات. غير أن امتلاك المنحة لم يعنِ القدرة على المغادرة؛ فقد بقي أكثر من عام ينتظر طريقًا مفتوحًا.
في 16 أبريل/نيسان 2025، تمكن أخيرًا من الخروج، وعبر الأردن قبل الوصول إلى باريس. كانت الصدمة كبيرة: شوارع هادئة، طعام متوافر، مبانٍ قائمة، وحدائق يستطيع الجلوس فيها بعيدًا عن أصوات الطائرات المسيّرة. لكنه لم يشعر بأن الألم انتهى؛ بقيت عائلته في غزة، وأصبحت متابعة أخبارها وصعوبة الاتصال بها جزءًا من أيامه الجديدة.
خلال أسابيعه الأولى، استضافته مدرسة موسيقى وساعده أصدقاء جدد على اكتشاف باريس. حضر عرضًا في دار الأوبرا وحفلًا للموسيقى الباروكية في الفيلهارمونية، فاجتمعت داخله الفرحة والحزن والحنين. كما أهدته عازفة ناي فرنسية كمانًا قديمًا يعود، بحسب روايتها، إلى نحو عام 1920. كانت الآلة أكثر من هدية؛ فقد أعادت إليه جزءًا من هويته التي ظن أنها بقيت تحت ركام منزله.
بدأ محمد مساره الدراسي، ثم انتقل من العزف للأطفال داخل الخيمة إلى الظهور أمام جمهور فرنسي. وفي فبراير/شباط 2026، شارك في أمسية «أصوات غزة» في معهد العالم العربي بباريس، إلى جانب موسيقيين وشعراء فلسطينيين. حمل كمانه على المسرح لا باعتباره ناجيًا فقط، بل فنانًا يمتلك مشروعًا وصوتًا.
لا تختصر قصة محمد في انتقال من الجحيم إلى حياة سهلة؛ فقد وجد الأمان والفرصة، لكنه حمل معه القلق على عائلته وبلده. نجاحه الحقيقي أنه أنقذ فنه من الحرب وحوّله إلى وسيلة لحفظ الذاكرة ومساندة الأطفال. وهو يأمل، إن عاد يومًا إلى غزة، أن ينظم ورشًا موسيقية لهم. وبين كمان رُقعت أوتاره بأسلاك دراجة وآلة قديمة تعزف اليوم في باريس، يؤكد محمد أن الفن قد يُحاصر، لكنه يستطيع النجاة والعثور على مسرح جديد.