بالنسبة إلى غزيين تمكنوا من مغادرة القطاع خلال الحرب، لم يكن الوصول إلى أوروبا مجرد انتقال بين مكانين، بل عبورًا من حياة يحددها القصف والنزوح والجوع وانقطاع الكهرباء إلى حياة يمكن فيها التخطيط لليوم التالي. هناك، صار الذهاب إلى الجامعة، ركوب الحافلة، فتح الحاسوب أو النوم بلا صوت طائرات امتيازات استثنائية، بعدما كانت تفاصيل يومية بسيطة قبل الحرب.

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعطلت حياة جيل كامل في غزة. دُمرت منازل ومدارس وجامعات، وفقد طلاب وثائقهم وأجهزة حاسوبهم، فيما أجبرت عائلات على النزوح مرات متتالية. ووفق أحدث تقديرات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، تأثرت 95 في المئة من الحُرُم الجامعية، وبقي أكثر من 637 ألف طفل خارج المدارس لفترات طويلة. لم يعد السؤال لكثيرين: أي تخصص أختار؟ بل: هل سأبقى حيًا لأكمل دراستي؟

لكن بعض من خرجوا عبر منح دراسية أو عمليات إجلاء وتأشيرات إنسانية وجدوا في دول أوروبية فرصة لاستعادة ما سلبته الحرب: الأمان، والخصوصية، وحرية الحركة، والتعليم المنتظم. أوضاعهم القانونية مختلفة، لذلك لا يصح جمعهم جميعًا تحت وصف واحد؛ فمنهم طالب، وباحث، وفنان، ولاجئ. وما يجمعهم هو محاولة بناء حياة توقفت بالقوة.

 

أميرة الخطيب واحدة من هؤلاء. أنهت دراسة هندسة أنظمة الحاسوب في جامعة الأزهر بغزة في ظروف كان الاتصال بالإنترنت فيها متاحًا أحيانًا فوق سطح المنزل، ودافعت مشروع تخرجها بينما كانت الطائرات المسيرة تحلق في السماء. وصلت إلى هولندا في يونيو/حزيران 2026 لبدء دراسة الماجستير في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي بجامعة رادبود. بالنسبة إليها، لا تعني الدراسة شهادة جديدة فقط؛ إنها طريق لتطوير أنظمة تقنية تستطيع الصمود في الأزمات وخدمة المستشفيات والطوارئ.

وفي بريطانيا، تواصل شهد الحجار مسارها الطبي بعدما انقطع في غزة. بدأت عامها الثالث في جامعة الأزهر عند اندلاع الحرب، ثم خرجت مع عائلتها إلى داغستان، ودرّست العربية لتدعم نفسها، قبل أن تستأنف دراستها عن بعد. لاحقًا حلت بين أفضل سبعة مشاركين من أكثر من 700 متقدم في مسابقة مهارات جراحية بأكسفورد، ثم التحقت ببرنامج تدريب سريري في جامعة أستون.

أما عازف الكمان محمد حِلّس، فغادر غزة إلى فرنسا في أبريل/نيسان 2025 بمنحة لدراسة الموسيقى في باريس-ساكلاي. وبعدما ظل يعزف ويعلّم الأطفال خلال النزوح، ظهر في فبراير/شباط 2026 على مسرح معهد العالم العربي ضمن أمسية «أصوات غزة». انتقلت موسيقاه من محاولة لحماية الروح وسط الدمار إلى مساحة عامة تسمعها مدينة كاملة.

الحياة الأوروبية، مع ذلك، ليست خاتمة سعيدة تمحو الماضي. فالأمان يتجاور مع القلق على أهل بقوا في غزة، والنجاح مع شعور بالذنب لأن آخرين لم يستطيعوا الخروج. كما يواجه القادمون لغة جديدة، وإجراءات إقامة معقدة، ووحدة، وصدمة لا تنتهي بمجرد عبور الحدود.

وتكشف هذه المسارات أن النجاة الفردية تحتاج أيضًا إلى أبواب مؤسساتية مفتوحة. فالمنحة لا قيمة لها إذا تعذر الخروج، والقبول الجامعي لا يكفي من دون سكن ودعم نفسي واعتراف بالدراسة السابقة. وحين تتوافر هذه الشروط، يتحول القادم من شخص ينتظر المساعدة إلى طالب ومنتج وباحث وفنان يشارك المجتمع خبرته وصوته بحرية.

لذلك تبدو «الحياة الجميلة» هنا أقل بريقًا وأكثر عمقًا: غرفة آمنة، جامعة مفتوحة، فرصة عمل، وحق في الاختيار. أوروبا لم تمنح هؤلاء ذاكرة جديدة، لكنها أتاحت لهم مساحة يستعيدون فيها القدرة على الحلم. ونجاحهم الحقيقي ليس أنهم نسوا الجحيم، بل أنهم رفضوا أن يكون آخر ما كتبته الحرب في حياتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *