بعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قادة من حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة مطلع سبتمبر/أيلول 2025، عادت التهديدات الإسرائيلية لتضع قطر في دائرة النقاش مجدداً، وسط تساؤلات حول إمكانية تكرار الهجوم إذا لم تستجب الدوحة لمطالب تل أبيب بطرد قيادات الحركة أو التضييق عليهم.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكد أن بلاده لن تتردد في استهداف قادة حماس “أينما كانوا”، مدعوماً بتعهدات أمريكية بمواصلة الدعم “الثابت” لإسرائيل في حربها على الحركة. وفي المقابل، تحاول قطر استثمار علاقاتها الدولية والإقليمية لتفادي المزيد من التصعيد، خصوصاً بعد أن أسفر الهجوم الأخير عن مقتل خمسة من عناصر حماس وأحد أفراد قوات الأمن القطري.

تهديدات جدية أم حرب نفسية؟

يرى أستاذ السياسات العامة في جامعة حمد بن خليفة، سلطان بركات، أن تهديدات نتنياهو “واقعية”، خصوصاً مع تصريحات مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة التي طالبت الدوحة بطرد عناصر حماس أو ترك المجال لإسرائيل لاستهدافهم. بركات شدد على أن التهديد الإسرائيلي ينبغي أخذه على محمل الجد، إذ أن تل أبيب قادرة على الحصول على ضوء أخضر أمريكي بطريقة أو بأخرى، رغم الوعود التي قدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأمير قطر بعدم تكرار الضربة.

من جانبه، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية بالقدس مئير مصري اعتبر أن قطر ستبقى “مهددة بشكل دائم”، ما دامت تستضيف شخصيات بارزة من حماس مثل خالد مشعل وخليل الحية وزاهر جبارين. وأشار إلى أن السلطات القطرية تدرك تماماً تصميم إسرائيل على استهداف الحركة، ما سيدفعها لفرض قيود أمنية أشد على تحركات قيادات حماس لحماية المدنيين القطريين.

الكاتب والباحث السعودي مبارك آل عاتي استبعد بشكل كامل تكرار الضربة، مرجعاً ذلك إلى التعهدات الأمريكية التي حصلت عليها الدوحة، والتي تؤكد أن واشنطن لن تسمح لإسرائيل بتجاوز الخطوط الحمراء. وأوضح أن قطر تعمل ضمن القانون الدولي، وتعتمد على المظلة الأمريكية والعلاقات الخليجية والعربية كضمانة لأمنها.

في المقابل، يرى محللون أن استضافة قطر لقيادات حماس قد تضعف دورها كوسيط إذا استمرت التهديدات الإسرائيلية. البروفيسور عامر فاخوري من الجامعة الأمريكية في الإمارات أوضح أن خيار إبعاد حماس عن قطر يظل مطروحاً، لكنه ليس مرجحاً في المدى القريب، لأن أي خطوة من هذا النوع ستُفسر على أنها تنازل سياسي يضعف الموقف القطري.

خيارات قطر للتعامل مع الأزمة

بركات رجح أن تلجأ الدوحة إلى عدة مسارات لردع إسرائيل، أبرزها تفعيل الدعم العربي والإسلامي، والتحرك قانونياً لمساءلة إسرائيل على خرق سيادة قطر. كما قد تسعى لرفع جاهزية الدفاعات الجوية وتعزيز التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، مستندة إلى وجود قاعدة العديد كخط أحمر أمام أي هجوم جديد.

فاخوري أشار بدوره إلى أن قطر ستضغط لتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك في مجلس التعاون الخليجي، وستواصل لعب دور الوسيط في الملف الفلسطيني لإبقاء استقرارها الداخلي شرطاً أساسياً لاستمرار الوساطة أمام المجتمع الدولي.

مستقبل العلاقة مع حماس

يبقى السؤال المطروح: هل تبعد قطر قيادات حماس عن أراضيها؟
مصري يرى أن “صوت العقل” يقتضي ذلك، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى مزيد من التصعيد. أما بركات فحذر من أن إبعاد الحركة بالكامل سيُعد نصراً لإسرائيل، ويشجعها على اتباع الأسلوب نفسه مع دول عربية أخرى.

وفي قراءة أخرى، رجّح آل عاتي أن تتخذ حماس بنفسها قرار مغادرة قطر نحو وجهات بديلة، مثل شرق آسيا، إذا ما تعثرت المفاوضات مع إسرائيل وفقدت أسباب بقائها في الدوحة، بما يجنّب قطر الحرج السياسي ويحميها من اتهامات أو هجمات جديدة.

قطر اليوم بين خيارين أحلاهما مر: إما أن تحافظ على دورها كوسيط من خلال استمرار استضافة قادة حماس، وهو ما يعرضها لضغوط وتهديدات إسرائيلية مباشرة، أو أن تستجيب جزئياً لهذه الضغوط بما قد يُضعف من مكانتها الإقليمية. وبين هذه المعادلة، تظل واشنطن الضامن الأكبر لاستقرار الدوحة، فيما تترقب المنطقة ما إذا كانت إسرائيل ستترجم تهديداتها إلى فعل جديد، أم أن الضغط النفسي والسياسي يكفي لإعادة رسم المعادلات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *