ليس أمام المدنيين في مدينة غزة خيار سوى النزوح باتجاه الجنوب، بعد أن أعلن الاحتلال الإسرائيلي أن تلك المنطقة تُعد “منطقة إنسانية” يمكن للسكان اللجوء إليها. ورغم الشكوك الكبيرة حول مدى التزام الاحتلال بهذا الإعلان، فإن كثيراً من المواطنين يرون أن النزوح نحو الجنوب بات الخيار الأقل خطراً مقارنة بالبقاء في مناطق الشمال ومدينة غزة التي تتعرض لقصف مكثف منذ أيام.

الجنوب… ملاذ مؤقت

منذ اللحظة التي وصف فيها الاحتلال جنوب القطاع بأنه منطقة آمنة أو “إنسانية”، بدأ عشرات الآلاف من السكان يتدفقون إلى خان يونس ورفح. ويعتبر المواطنون أن هذا الإعلان، رغم ضبابيته، يشكل بارقة أمل في إيجاد مكان أقل عرضة للقصف المباشر. إلا أن المخاوف لا تزال قائمة، إذ سبق أن استُهدفت مناطق جنوبية عدة في الأشهر الماضية، ما يجعل الثقة في “ضمانات الاحتلال” شبه معدومة.

نزوح جماعي وسط ظروف قاسية

حركة النزوح نحو الجنوب تزداد بشكل متواصل، حيث امتلأت الطرق المؤدية إلى خان يونس بالمركبات والعائلات التي تحمل معها ما خف وزنه من المتاع. لكن المشكلة تكمن في النقص الكبير بوسائل النقل، إلى جانب صعوبة التحرك نتيجة استهداف بعض الطرق الرئيسية بالقصف.

وفي حين أن مراكز الإيواء في المدارس والمنشآت العامة بخان يونس ورفح تعاني من اكتظاظ هائل، حيث لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من العائلات. ويشير مسؤولون محليون إلى أن الأعداد فاقت كل التوقعات، في حين أن الإمكانيات المتوفرة محدودة للغاية.

يفترش كثير من النازحين الشوارع أو يبيتون في العراء، في ظل نقص بالغ في المياه النظيفة والطعام والأدوية. ويقول مواطن لجأ إلى مدرسة بخان يونس: “نحن هنا أكثر من 30 شخصاً في فصل واحد. لا توجد مراحيض كافية، ولا كهرباء، ولا طعام يكفي. لكننا على الأقل نشعر أننا بعيدون قليلاً عن القصف المباشر”

محللون يرون أن إعلان الاحتلال عن “مناطق إنسانية” ليس سوى محاولة لفرض واقع جديد ودفع السكان للنزوح القسري من الشمال إلى الجنوب، بما يسهّل عملياته العسكرية داخل مدينة غزة. ورغم ذلك، فإن غياب البدائل أمام المدنيين يجعلهم مضطرين إلى التعامل مع هذا الإعلان باعتباره الملاذ الوحيد، حتى وإن كان مؤقتاً.

ويقول مراقبون إن استخدام مصطلح “منطقة إنسانية” في ظل استمرار القصف يفتقد للمصداقية، ويثير تساؤلات حول النوايا الحقيقية للاحتلال، خاصة وأنه لا توجد ضمانات دولية تضمن حماية تلك المناطق من الهجمات.

شهادات من الميدان

سيدة نزحت من غزة إلى رفح قالت لمراسلنا: “تركنا بيتنا تحت القصف، ووصلنا إلى هنا. صحيح أننا نشعر بأمان نسبي، لكننا لا نملك طعاماً ولا ماء. نحن فقط نريد أن نعيش”

بينما أشار شاب من حي الشجاعية إلى أن عائلته اضطرت لبيع ما تبقى من ممتلكاتها لتأمين وسيلة نقل إلى الجنوب، مضيفاً: “الاحتلال أعلن أن الجنوب آمن، فذهبنا، لكننا لا نثق به. نشعر أننا محاصرون حتى في ما يسمى المنطقة الإنسانية”.

مع بدء الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ خطته لاجتياح مدينة غزة، يجد المدنيون أنفسهم أمام خيار وحيد: النزوح جنوباً بعد أن أعلن الاحتلال تلك المناطق “إنسانية” وآمنة نسبياً. لكن بين الوعود المعلنة والواقع على الأرض، يعيش النازحون مأساة إنسانية متصاعدة، فيما تبقى أصواتهم المطالِبة بالحماية والنجاة رهينة التجاهل الدولي والصمت العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *