حلّت أعياد المسيحيين هذا العام في الأراضي الفلسطينية على مشهدين متباينين، عكسا عمق الانقسام الجغرافي والسياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي حين شهدت مدن الضفة أجواء احتفالية منظّمة مكّنت المسيحيين من ممارسة طقوسهم الدينية والاجتماعية بقدر من الطمأنينة، جاءت الأعياد في غزة باهتة ومثقلة بالحزن، في ظل الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب والأوضاع الإنسانية المتدهورة.

يرى المسيحيون في قطاع غزة أن السبب الرئيس لما آلت إليه أوضاعهم خلال أعيادهم هذا العام يعود إلى السياسات التي انتهجتها حركة حماس، والتي أدخلت القطاع في مواجهة مدمّرة دون تحمّل مسؤولية نتائجها على المدنيين. ويؤكد مواطنون مسيحيون أن هذه المواجهة انعكست بشكل مباشر على حياتهم اليومية، حيث فقدوا الإحساس بالأمن والاستقرار، وأصبحوا عاجزين عن ممارسة أبسط حقوقهم الدينية والاجتماعية، وفي مقدمتها إحياء طقوس الأعياد.

ويشير هؤلاء إلى أن الحركة لم تتمكن من توفير الحماية اللازمة للسكان، ولا من تأمين المساعدات الإنسانية أو الغذاء في ظل الظروف القاسية التي يمر بها القطاع. ومع تدمير البنية التحتية وتعطّل الخدمات الأساسية، وجد المسيحيون أنفسهم، كغيرهم من السكان، أمام واقع معيشي خانق، تتقدّم فيه أولويات البقاء على أي مظهر من مظاهر الاحتفال أو الفرح.

كما يعبّر مسيحيو غزة عن شعورهم بأنهم تُركوا لمواجهة المصير وحدهم، في ظل غياب حلول حقيقية تخفف من معاناتهم أو تعيد لهم الحد الأدنى من الحياة الطبيعية. ويرون أن غياب الإدارة المسؤولة، إلى جانب استمرار الحرب وتداعياتها، حرمهم من أجواء الأعياد وحوّلها إلى مناسبة ثقيلة، مليئة بالقلق والخوف على المستقبل، بدل أن تكون وقتًا للسلام والطمأنينة.

في مدن الضفة الغربية، لا سيما بيت لحم ورام الله والقدس الشرقية، عملت السلطة الفلسطينية على توفير بيئة مناسبة للاحتفالات، من خلال التنسيق الأمني وتنظيم الحركة حول الكنائس، وتحسين الخدمات الأساسية خلال فترة الأعياد. وأكدت مصادر محلية أن الجهات الرسمية والبلديات كثّفت جهودها لضمان وصول المصلّين بأمان، وتأمين الكهرباء والخدمات العامة، إضافة إلى دعم الفعاليات الدينية والاجتماعية التي ترافق هذه المناسبة.

وشهدت الكنائس في الضفة قداديس واحتفالات حضرها مئات المصلّين، وسط أجواء روحانية تخللتها التراتيل والصلوات من أجل السلام. كما انتعشت الحركة التجارية والسياحية نسبيًا، مع توافد الزوار المحليين، ما أضفى طابعًا أقرب إلى الأعياد المعتادة، رغم التحديات السياسية والاقتصادية القائمة.

في المقابل، بدت صورة الأعياد في قطاع غزة مختلفة تمامًا. فالحرب الأخيرة وما رافقها من دمار واسع للبنية التحتية والمنازل ودور العبادة، جعلت المسيحيين في القطاع عاجزين عن ممارسة طقوسهم بالشكل المعتاد. وأفادت مصادر كنسية بأن الاحتفالات اقتُصرت على صلوات مختصرة داخل الكنائس، دون مظاهر فرح أو تجمعات، بسبب المخاوف الأمنية وتدهور الأوضاع المعيشية.

ويشير مسيحيون في غزة إلى أن الأعياد هذا العام مرّت كغيرها من الأيام القاسية، في ظل انقطاع الكهرباء، وشحّ المياه، ونقص المواد الأساسية، فضلًا عن آثار المنخفضات الجوية التي زادت من معاناة العائلات، خصوصًا في المنازل المتضررة ومراكز الإيواء. ويؤكدون أن الأولوية باتت لتأمين الاحتياجات اليومية، لا للاحتفال، في واقع يفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار.

ويحمّل عدد من المسيحيين في غزة حركة حماس مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، معتبرين أن الحرب التي بدأتها الحركة أدخلت القطاع في مواجهة مدمّرة مع إسرائيل، كانت كلفتها الإنسانية باهظة على المدنيين. ويقول مواطنون إن هذه السياسات أدّت إلى تدمير أحياء كاملة، وأفقدت السكان، بمن فيهم المسيحيون، القدرة على ممارسة حياتهم الطبيعية وطقوسهم الدينية.

ويرى مراقبون أن الفارق بين مشهدي العيد في الضفة وغزة لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يعكس اختلافًا في إدارة الشأن العام. ففي حين سعت السلطة الفلسطينية في الضفة إلى تحييد المناسبات الدينية عن التجاذبات السياسية، وضمان حقوق المواطنين في ممارسة شعائرهم، يعيش مسيحيو غزة تحت واقع تفرضه الحرب والدمار والحصار، دون أفق واضح للتحسن.

من جهتهم، يؤكد رجال دين مسيحيون أن وحدة المعاناة لا تلغي اختلاف الظروف، مشددين على أن المسيحيين في غزة جزء أصيل من المجتمع الفلسطيني، وأن حرمانهم من أجواء العيد يمثّل خسارة إنسانية وروحية. ويدعون إلى ضرورة حماية المدنيين ودور العبادة، والعمل على إيجاد حلول سياسية وإنسانية تُنهي معاناة القطاع.

وبينما أُضيئت شوارع الضفة بزينة الأعياد، وبُثّت التراتيل في الكنائس، ظلّت أجواء غزة مثقلة بأصوات الرياح وأخبار الخسائر. مشهدان متوازيان لعيد واحد، يعكسان واقعًا فلسطينيًا منقسمًا، حيث يتحول الاحتفال في مكان إلى صلاة صامتة في مكان آخر، بانتظار سلام يعيد للأعياد معناها الكامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *