قسى البحر من جديد على شبان فلسطينيين من قطاع غزة، وأغرق بعضهم خلال رحلة هجرة غير شرعية إلى القارة الأوروبية، بحثاً هناك عن فرص عمل ومعيشة بعيدة عن الواقع المرير الذي يحيونه، بسبب ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، جراء الحصار الإسرائيلي المستمر منذ 15 عاما.
بحر مالح.. مهربون جشعون
لم يكن قطاع غزة المحاصر قد أفاق من صدمة الغرق السابقة، والتي لم يمر عليها سوى أسبوع، وراح ضحيتها سبعة شبان من جنوب القطاع، خلال تواجدهم على متن قارب يعود لمهربين، أبحر بهم من أحد الشواطئ التونسية إلى القارة الأوروبية، حتى وصلت أخبار جديدة عن غرق شبان جدد، كانوا على متن قارب آخر، قبالة السواحل اليونانية.
وإن تعددت “قوارب الموت” وأماكن انطلاقها، سواء شواطئ عربية أو غربية، إلا أن نتيجتها واحدة، ففي البحر المالح لفظ هؤلاء الشبان أنفاسهم الأخيرة، وأعينهم كانت ترقب لحظة وصولهم إلى أحد الشواطئ الأوروبية، وعقولهم كانت تخطط للحياة الجديدة المليئة بالعمل والكسب، بعيداً عن سنوات الفقر والبطالة والحصار.
المركب يقلّ مهاجرين دفعوا أموالاً كثيرة لمهربين في تركيا، انطلق صوب أحد الجزر اليونانية، غير أنه، كما مرات سابقة كثيرة، غرق القارب الصغير، والذي كان يقل أعداداً أكبر من حمولته، دون أن يعرف بالضبط حتى اللحظة مصير من كانوا على متنه، ما يرجح فرضية غرق الكثير منهم.
ومن بين ركاب “قارب الموت” الجديد، كان هناك شبان من قطاع غزة، خرجوا من القطاع، وقد ودعوا أهاليهم، وعيونهم تتحدث وقتها عن اقتراب أيام الفرج، بتكوين مستقبل أفضل، يتمكنوا خلاله من إسعاف أسرهم الفقيرة، متخذين بعض من حالفهم الحظ ووصلوا إلى دول أوروبية من جيرانهم أو أقاربهم قدوة لهم.
ويؤكد أحمد الديك، المستشار السياسي لوزير الخارجية والمغتربين الفلسطينية، وجود فلسطينيين، على متن القارب المنكوب، الذي تعرض للغرق يوم 31 أكتوبر الماضي، وقال إن أغلب من كانوا على متن ذلك القارب هم من الفلسطينيين.
والجدير ذكره أن الكشف عن حادثة الغرق هذه جاء بعد أيام من وقوعها، وذلك لأسباب يخفيها دوما المهربون، الذين يبتزون الشبان بالأموال، ويوقعونهم حسب إفادات من عاشوا التجربة طوال فترة الرحلة للتهديد، ويقسون عليهم أحيانا بالضرب والتنكيل، كما تقسو عليهم حين يتم اعتراضهم دوريات الأمن اليونانية التي تستقبلهم إمام في أحراش وغابات الجزر التي يصلونها في بداية الرحلة، أو في البحر.
ويوضح المسؤول في وزارة الخارجية الفلسطينية أنه نظرًا لوجود إجازة لدى السلطات اليونانية، هذه الأيام، فقد تأخر الحصول على معلومات تفصيلية أخرى عن الحادثة حتى يوم الإثنين.
اتصالات لمعرفة مصيرهم
لكن الديك أشار إلى أنه يجري العمل على جمع المعلومات حولهم، والتواصل مع ذوي المفقودين، لافتاً إلى أنه جرى إبلاغ السفارة الفلسطينية في تركيا للتحرك، باعتبار أن الجزيرة اليونانية التي حدث أمامها الغرق، قريبة من الحدود، وذلك بهدف معرفة مصير هؤلاء المواطنين الفلسطينيين.
وحذر هذا المسؤول من ظاهرة الهجرة بهذا الشكل، وقال إنها تُهدد حياة وأرواح المواطنين خاصة من قطاع غزة، الذين أكد أنهم يتعرضون لـ “عصابات إجرام تقوم بتنظيم رحلات الموت”.
ويوضح أيضا أنه يجري ابتزاز هؤلاء الشبان بمبالغ مالية كبيرة، ويصوّرون للشبان أن رحلة الوصول إلى أوروبا ستكون وردية، ويضيف: “في الحقيقة، يخرجونهم على متن قوارب متهالكة، ويضعون فيها عدداً يزيد عن قدرتها الاستيعابية، وفي حال وجود خلافات بين العصابات يقدمون على إغراق القارب”.
وفي غزة، يدور الحديث عن أن من بين من كانوا على ذلك القارب شبان يقطنون مدينة خانيونس جنوب القطاع، وأن هناك خمسة مفقودين من تلك المدينة، وهي ذات المدينة التي فقدت وجارتها مدينة رفح سبعة من أبنائها في حادثة الغرق الأخيرة قبالة سواحل تونس.
وحسب مصادر مقربة من عوائلهم، فإن حالة حزن شديدة تخيم عليهم، حيث يترقبون معرفة مصير أبنائهم الذين غرق بهم قارب الهجرة الجديدة، على أمل أن يكون قد تم إنقاذهم، ووجودهم لدى الجانب اليوناني.
وكان سكان جنوب غزة، شيعوا، يوم الثلاثاء الماضي، اثنين من الشبان غرقا سابقاً خلال أحد رحلات الهجرة، أمام سواحل اليونان، وهما خالد شراب، ومصطفى السماري.
والجدير ذكره أن هناك حوادث غرق كثيرة حدثت في السنوات الماضية، كان آخرها غرق مراكب في عرض البحر، جراء خلافات وقعت بين المهربين، حين قام بعضهم بصدم قارب الهروب بمركب أكبر، وإغراق من فيه، ولا يستطيع الشبان، ومن بينهم من يكون برفقة عائلته (الزوجة والأطفال)، عمل شيء، لامتلاك المهربين الأسلحة النارية.
ولا يزال مصير الكثير من شبان غزة غير معروف، بعد غرق مراكبهم قبل أكثر من سنوات، ولا تزال عوائلهم التي نظمت عدة احتجاجات أمام مقرات المنظمات الدولية، تأمل أن يكونوا أحياء، فيما تطلب أخرى تأكيدات على موتهم، لعدم إخراج جثثهم من البحر.
إصرار على الهجرة رغم المخاطر
ويرجِع الشبان الذين هربوا من غزة منذ بداية الحصار الإسرائيلي عام 2007، حيث ارتفعت منذ ذلك الوقت معدلات الهجرة إلى القارة الأوروبية بشكل كبير جدا، مقارنة بما كان الوضع عليه سابقا، سبب الخروج من القطاع إلى البحث عن حياة أفضل، خاصة أن من بينهم من يعيل أسرة كبيرة، وآخرين لم يتمكنوا من العمل لكسب المال في غزة، من أجل التأسيس لبناء أسرة من زوجة وأولاد.
ويصر هؤلاء الشبان على الهجرة غير الشرعية، رغم تكاليفها المرتفعة، والتي تصل إلى ما يقارب الـ 10 آلاف دولار، والتي تجمعها الأسرة من خلال الاستدانة من الآخرين، أو بيع شيء تملكه، كقطعة أرض أو مصاغ ذهبي، كما يصر هؤلاء الشبان على الهجرة، رغم سماعهم قصص الغرق السابقة، وهو ما دفع بآبائهم مؤخرا، للتأكيد، خاصة بعد حادثة الغرق أمام تونس، عن عدم قدرتهم على ثني أبنائهم للسفر، من خلال كم كبير من النصائح، غير أن أحلام هؤلاء الشبان بإيجاد العمل والحصول على الأموال، وفق وعود المهربين، كان يصم آذانهم عن سماع تلك النصائح.
ومنذ أن فرض الحصار، والذي منعت بموجبه سلطات الاحتلال دخول العديد من المواد الخام، وكذلك منع تصدير منتجات غزة، تأثرت عجلة الإنتاج بشكل كبير، ما دفع بالكثير من أصحاب المصانع والورش لإغلاقها، وتسريح عمالها، فيما يشتكي من تتوفر له فرصة عمل، من تدني معدلات الأجور اليومية، والتي لا تكفي احتياجات الشاب بمفرده دون أن يكون له أسرة وأولاد.
وتقدر نسبة البطالة في غزة بأكثر من 50%، فيما ترتفع نسب الفقر إلى أكثر من 70%، وفي غزة تعتمد 80% من الأسر على المساعدات الخارجية لتدبير أمور حياتها، ولا توجد إحصائية دقيقة لعدد الشبان الذين هاجروا من غزة إلى القارة الأوروبية، فيما يتردد أن عدد من فقدوا خلال رحلات الهجرة، يقدر بأكثر من 360 مواطنا.
وفي الأيام الماضية، وبعد تكرر حوادث الغرق، ظهر العديد من المطالبات، بضرورة التحقيق في هذه العملية، ومعرفة الجهات التي تقف وراءها، وضرورة محاسبتها.
وكانت حركة “فتح” حمّلت في وقت سابق حركة “حماس” المسؤولية عن ظاهرة الهجرة الجماعية للشباب في غزة، وما أسفر عنها من غرق للعشرات منهم، وقالت، في بيان لها: “هذه الحادثة ما كانت لتتم، لولا النهج الذي انتهجته سلطة الأمر الواقع (حماس) في قطاع غزة، التي تتحمل المسؤولية الفعلية والأخلاقية لحوادث الغرق المتكررة الناجمة عن ظاهرة الهجرة الجماعية للشباب في القطاع نتيجةً لأزمة البطالة والفقر المدقع”.
في المقابل، كانت حركة “حماس” دعت إلى ضرورة تكاتف الجهود فلسطينيا وعربيا ودوليا، لحماية اللاجئين الفلسطينيين في أماكن وجودهم كافة، وحمّلت دولة الاحتلال المسؤولية عن معاناة الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للاضطهاد والحصار والمنع من العودة إلى فلسطين.
