عناصر من كتائب عز الدين القسام خلال ظهور ميداني في قطاع غزة

من محمد الضيف إلى محمد عودة.. قراءة في سلسلة الاغتيالات التي طالت قيادة الجناح العسكري لحماس وأسئلة ما بعدها


في غضون أشهر قليلة، فقدت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، سلسلة من أبرز قادتها في موجة اغتيالات إسرائيلية متلاحقة، كان آخرها استهداف قائدين متعاقبين خلال أيام معدودة فقط. فكيف وصلت الأمور إلى هنا؟ وما الذي يعنيه هذا للمشهد في غزة؟ هذا التقرير يضع الأحداث في سياقها المتسلسل.

البداية: سقوط مهندسي السابع من أكتوبر

منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، وضعت إسرائيل قيادة القسام على رأس قائمة أهدافها، معلنة عزمها ملاحقة المسؤولين عن هجوم السابع من أكتوبر.

وعلى مدى الحرب، أعلنت إسرائيل مسؤوليتها عن اغتيال سلسلة من القادة الميدانيين البارزين، شكّلوا في معظمهم ما كان يُعرف بالمجلس العسكري المصغّر للكتائب. ومن أبرز هذه الأسماء قائد القسام محمد الضيف، ونائبه مروان عيسى، والقائد الميداني محمد السنوار، إضافة إلى قادة ألوية مثل أحمد الغندور (الشمال)، وأيمن نوفل (الوسطى)، ورافع سلامة (خان يونس)، ومحمد شبانة (رفح).

كما طالت الاغتيالات قيادات سياسية بارزة، بينهم رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية، ويحيى السنوار.

الحلقة قبل الأخيرة: اغتيال عز الدين الحداد

بعد هذه السلسلة، برز اسم عز الدين الحداد (أبو صهيب) الذي تولى القيادة العامة للكتائب خلفاً لمحمد السنوار. ووُصف الحداد بأنه “آخر مهندسي السابع من أكتوبر” المتبقين داخل غزة، وكان قد تصدّر قائمة المطلوبين مع رصد مكافأة بلغت 750 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات عنه.

ووفق ما أعلنته حماس، استُشهد الحداد مساء الجمعة 15 مايو 2026 في غارة إسرائيلية استهدفت بناية سكنية في حي الرمال غربي مدينة غزة، إلى جانب زوجته وابنته وعدد من المدنيين. وأكدت إسرائيل تنفيذ العملية بالتنسيق بين الجيش وجهاز “الشاباك”.

وكانت إسرائيل قد فشلت في اغتياله مراراً عبر السنوات، إذ تشير التقارير إلى استهداف منزله في أعوام 2008 و2012 و2021، قبل أن يقع — بحسب الرواية الإسرائيلية — في “خطأ أمني” بعودته إلى شقة عائلية كشفت موقعه.

الحلقة الأخيرة: محمد عودة.. “رجل الظل”

لم تمضِ سوى أيام قليلة حتى تحرك المشهد مجدداً. فقد سارعت حماس إلى تعيين القيادي محمد عودة خلفاً للحداد، ليجمع بين قيادة الكتائب وزعامة الحركة في غزة.

عودة، المولود في مخيم جباليا عام 1974، كان شخصية قليلة الظهور الإعلامي حتى وُصف بـ”رجل الظل”. شغل لفترة طويلة منصب رئيس استخبارات الكتائب، وأشرف — بحسب التقارير — على جمع المعلومات المتعلقة بالقواعد العسكرية الإسرائيلية، وكان من أقرب المقربين للحداد في ملف إعادة هيكلة القيادة العسكرية.

لكن قيادته لم تدم طويلاً. ففي 26 مايو 2026، أي بعد 11 يوماً فقط من اغتيال الحداد، أعلنت إسرائيل استهداف عودة في غارة على حي الرمال بمدينة غزة. وأكدت حماس استشهاده في اليوم التالي، 27 مايو 2026، مع زوجته وأطفاله.

القراءة الإسرائيلية: ضربة للقيادة أم رسالة سياسية؟

بحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، فإن استهداف هذه القيادات لم يكن عسكرياً محضاً، بل حمل بُعداً سياسياً. فقد نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن مصادر أمنية أن الهدف كان مزدوجاً: منع الجناح العسكري من إعادة ترميم نفسه، ودفع قيادات “أكثر براغماتية” نحو طاولة المفاوضات.

ووصفت التقديرات الإسرائيلية الحداد بأنه شخصية “استثنائية” تتمتع بثقل فكري وسياسي، فيما اعتبرت أن خلفه عودة كان “أضعف” من القادة التاريخيين للحركة.

ماذا يعني هذا للمشهد في غزة؟

تطرح سلسلة الاغتيالات هذه أسئلة جوهرية: هل تنجح إسرائيل فعلاً في “تفكيك” قيادة القسام، أم أن الحركة قادرة على إعادة إنتاج قياداتها مهما توالت الضربات؟

التجربة حتى الآن تشير إلى أن حماس تعتمد آلية خلافة سريعة، إذ لم يمضِ في كل مرة سوى أيام قبل الإعلان عن قائد جديد. لكن في المقابل، فإن تكرار الاغتيالات يستنزف الخبرات المتراكمة ويضرب استمرارية القيادة، وهو ما تراهن عليه إسرائيل.

ويبقى الأهم أن هذه التطورات تجري في ظل وضع إنساني بالغ الصعوبة في القطاع، وفي سياق متشابك من المفاوضات المتعثرة والخروقات المتبادلة لاتفاق وقف إطلاق النار، ما يجعل مستقبل المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *