في ظل هدنة مؤقتة تشهدها قطاع غزة، تعيد طهران حسابات إشعال جبهة جديدة كبديل للقرار الذي سبق أن انتهى بتدمير غزة جزئياً، عبر توجيه دعمها إلى عناصر مسلحة خارج إطار السلطة الفلسطينية، وبشكل خاص في مناطق شمال الضفة الغربية، وعلى رأسها مخيم جنين.
في هذا السياق، يتابع مراقبون دوليون حركة مالية وعسكرية غير معلنة تقودها جمهورية إيران الإسلامية مع فصائل وأفراد يُعملون خارج إطار التنسيق مع السلطة الفلسطينية، وهو ما يطرح سيناريوهات خطيرة قد تؤدي إلى «جبهة ثانية» في الضفة.
مسار الدعم الإيراني
تُعدّ إيران من الدول التي دعمت عبر السنوات الطويلة فصائل مثل حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني في غزة، مالياً وتقنياً وعسكرياً.
غير أن تقديرات كثيرة ترى أن طهران لم تحصد من هذا الحساب العسكري إلا خسائر بشرية ومعنوية، إذ بدا أن الفصائل في غزة واجهت حرباً مدمّرة وهي في نهاية المطاف «خُذلت» من رعاية طهران الفعلية في اللحظة الحاسمة.
في المرحلة الراهنة، تبدو إيران – بحسب تقارير بحثية – وقد ركّزت على الضفة الغربية كمنطقة بديلة لإشعال الصراع: إحدى وثائق مركز أبحاث الكونغرس الأمريكي تشير إلى «فيضانات من الأسلحة» الإيرانية إلى الضفة، ما يُنذر بتوسع ما وصف بأنه «نشوب جبهة اشتباكات جديدة بالضفة الغربية ».
لماذا مخيم جنين؟ ولماذا الآن؟
مخيم جنين يقع في شمال الضفة، يعد من أهم المعاقل التي شهدت تصاعداً في النشاط المسلّح غير الخاضع للسلطة الفلسطينية رسمياً.
إيران، من جهتها، تراهن على تفجير خارجي داخل الضفة من شأنه أن يُجبر القوات الإسرائيلية على عملية ردّ واسعة، ما يوفر لها «واجهة مقاومة» جديدة. بقرار استراتيجي، تتجه الأنظار إلى مخيم جنين كمنطلق محتمل لتشريع استخدام القوة الإسرائيلية، وفتح نفق تصعيد مشابه لما حدث في غزة – لكن مع فارق أن سكان المخيم اليوم يعيشون رهبة تكرار «سيناريو غزة داخل الضفة».
أهالي المخيم أصغوا قبل أيام إلى أنباء عن وصول شحنات سلاح إلى جماعات مقاتلة، إضافة إلى بلاغات عن تدريب مكثّف لعناصر متحوّلة، في سعي لتكوين بنية تحتية مسلّحة قادرة على خوض مواجهات مع الجيش الإسرائيلي.
مخاطر تدمير المخيم ونزوح السكان
إذا ما نجح هذا المشروع الإيراني في خلق مواجهة شاملة في المخيم، فلا يكتفي الأمر بضرب تكوين مسلّح – بل ينطوي على احتمال تدخّل عسكري واسع من جانب جيش الدفاع الإسرائيلي، الأمر الذي قد يعيد مخيم جنين إلى الخراب الذي شهدته غزة.
ومثل هذا السيناريو يحمل معه تهديداً مباشراً لنزوح أهل المخيم، ودماراً واسعا للبنية التحتية، وفتحاً لموجة تهجير داخلي داخل الضفة، مع ما يصاحب ذلك من ضغوط إنسانية وسياسية واجتماعية. كما أن وجود دعم خارجي من إيران يسهّل لجيش الاحتلال تبرير حملة موسعة باسم «ضرب الإرهاب» أو «منع تأسيس جبهة محلية مسلحة».
وفي هذه الأثناء، تحذر تقارير حقوقية من أن تكرار سياسات الهدم والتشريد في مخيمات الضفة قد تُعيد إنتاج ما صار يُعرف بـ«غزة 2».
قراءة في النوايا الإيرانية والنتائج المحتملة
إنّ خلفية إيران في الساحة الفلسطينية، كما تشير تحليلات عديدة، تنحو إلى استراتيجية «أسقاط الدولة الفلسطينية» التي تديرها السلطة، والشروع بدعم قوى خارج إطارها، باعتبار أن ذلك يضعف المفوضية الفلسطينية ويعزّز نفوذ طهران كراعٍ للمقاومة.
لكنّ المفارقة أن طهران، رغم ضخّها الدعم إلى غزة، لم تلبّ النتائج التي كانت تأملها، إذ لم تستطع أن تمنع التدمير الهائل في غزة، أو تحقيق انتصار سياسي ملموس، مما ترك فراغاً كبيراً داخل الحاضنة الفلسطينية. واليوم، يبدو أنها تحاول «خيّارة ثانية» في الضفة، لكن المخاطر هنا ربما أكبر لأنها داخل الضفة، أقرب إلى قلب إسرائيل، ومع إمكانات أكبر لردّ إسرائيلي واسع.
وفي حال اندلعت اشتباكات كبيرة في مخيم جنين، فإنها لن تكون مجرد مواجهة محلية، بل تستطيع أن تتحول إلى ذريعة لاستمرار التصعيد الإسرائيلي على كامل الضفة، وتوسيع عمليات التهجير، أو حتى تدمير المخيم بالكامل.
في خاتمة الأمر، تبدو إيران تُراهن على تحويل الضفة الغربية إلى موقع تصعيد جديد، عبر دعم عناصر مسلّحة خارج إطار السلطة الفلسطينية، لا سيما في مخيم جنين. هذا التحرك يحمل في طيّاته احتمالين: إمّا فشل المشروع في إثارة مواجهة شاملة، أو ارتطام سريع بردّ إسرائيلي مدمّر يُطلق سلسلة نتائج إنسانية وسياسية خطيرة.
ولسكان مخيم جنين، فإن الخيار صار بين الانتظار بصمت، أو مخاطرة بمواجهة قد تحوّل حياتهم إلى نسخة موازية لما عاشته غزة، لكن داخل الضفة وعلى أبواب المناطق الحضرية. وفي كل الأحوال، تدفعهم اليوم مخاطرٌ تزامنت مع رهان إيراني ليس فقط على مواجهة من إسرائيل، بل على تفجير المشهد الفلسطيني من الداخل.