طفَت إلى السطح خلال الأيام الماضية قضيةٌ مالية كبرى تُقدَّر بنحو نصف مليار دولار، لكنها، وفق محللين، ليست إلا الجزء الظاهر من “جبل جليدي” ضخم من اقتصادٍ سياسي طالما عاش على ريع القضية الفلسطينية. فما جرى لا يعدّ صدمة بقدر ما هو توثيق جديد لحقيقة معروفة منذ سنوات: شبكات تعمل تحت لافتات خيرية ودعوية وإغاثية، لكنها في جوهرها مربوطة تنظيمياً وفكرياً بالإخوان وحركة حماس، استخدمت اسم غزة لجمع التبرعات دون أن تصل هذه التبرعات لأصحابها.

ويقول الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة ماهر فرغلي إن “المتاجرة بالقضية الفلسطينية كانت دائمًا مشروع تمويل بغطاء المقاومة”، وهو ما تؤكده التطورات الأخيرة التي كشفت تداخل شهادات وتسريبات وحذف منشورات ترويجية وتناقضات في كشوفات التحويلات، لتتضح صورة مفادها أن مبالغ ضخمة جُمعت باسم غزة خلال الحرب الأخيرة لم تصل إليها أبدًا.

وجاءت المفاجأة الأكبر حين أعيد تداول بيان سابق لحماس نفسها يشير إلى ضلوع جمعية “وقف الأمة” وشبكات إخوانية في تركيا في الاستيلاء على نحو نصف مليار دولار من تبرعات غزة. وبذلك تحوّلت الهمسات القديمة إلى كلام صريح عن “إمبراطورية تبرعات” تتحرك بين واجهات خيرية ومنصات رقمية وخطابات دينية صاخبة.

وفي مداخلة لبرنامج “رادار” على قناة سكاي نيوز عربية، قال الباحث والكاتب السياسي زيد الأيوبي إنه غير متفاجئ من هذه المعلومات، مؤكدًا: “تاريخيًا، كل التبرعات التي تجمعها حماس وقياداتها في الوطن العربي والعالم يتم نهبها ولا تصل أبداً للشعب الفلسطيني”. وأضاف الأيوبي أن الحديث عن نصف مليار دولار “يقزّم القصة”، مشيرًا إلى وجود مبالغ أكبر بكثير نهبت خلال السنوات الماضية.

وأوضح أن الخلافات داخل الحركة حول توزيع الأموال كانت الشرارة التي دفعت بعض الأطراف إلى فضح هذه العمليات، داعيًا إلى محاسبة قيادات الحركة وحجز حساباتها وشركاتها ومؤسساتها في الدول العربية والإقليمية والدولية. وأكد أنه “لا يعقل أن يخرج أي شخص في أي مكان يجمع تبرعات باسم فلسطين، ثم تُنهب أو تُحوّل لحسابات تخص حماس”.

وتساءل الأيوبي عن مصير التبرعات التي دعا إليها خالد مشعل مطلع الحرب فيما أسماه “طوفانًا ماليًا”، قائلاً: “خالد مشعل قال إن التبرعات تتضاعف… أين هي هذه الأموال اليوم؟ انظروا إلى شعبنا في غزة… الخيام غارقة والأطفال يموتون من الجوع والمستشفيات بلا إمكانيات. أين ذهبت الأموال يا حماس؟”

صراعات داخلية في مؤسسات الإغاثة التابعة لحماس

وفي موازاة هذه الاتهامات الخارجية، تعيش بعض مؤسسات المساعدات التي تتبع للحركة خلافات حادة، بعدما تفجّرت اتهامات داخلية بالاستيلاء على أموال جُمعت خلال الحرب الأخيرة تحت شعار دعم غزة.
مصادر مطلعة أكدت أن شبكات داخل تركيا ودول عربية قامت بإعادة تدوير الأموال لصالح جهات مرتبطة بالحركة بدلًا من إرسالها للجهات الرسمية أو الإنسانية في القطاع.

هذه التطورات خلقت توترًا بين قيادات في الحركة وعدد من الشخصيات الدينية البارزة التي أشرفت على حملات تبرع، إذ عبّر بعضهم عن غضبه من “الاستغلال غير الأخلاقي لمعاناة غزة”، بعدما تبيّن أن جزءًا كبيرًا من الأموال التي جُمعت عبر دعوات دينية وخطب ومقاطع إلكترونية لم يصل إلى مستحقيه.

غزة تستقبل الشتاء في ظل دمار شامل… والأموال لا تصل

يأتي هذا الجدل بينما يعيش سكان غزة في واحدة من أقسى الفترات الإنسانية منذ عقود، مع دخول فصل الشتاء وسط دمار كامل أو جزئي لآلاف المنازل، وانهيار البنية التحتية، وتعطل شبكات الكهرباء والمياه، وشلل شبه كامل في المستشفيات.

ويقول مواطنون إنهم كانوا يعقدون آمالاً كبيرة على التبرعات التي تدفقت من دول عربية وإسلامية، خاصة بعد الحملات الضخمة عبر المنصات الرقمية، لكن الواقع يشير إلى أن العائلات ما زالت بلا مأوى، والأطفال يقضون لياليهم في مخيمات غارقة، بينما تزداد معدلات الجوع ونقص الأدوية.

ويرى خبراء أن هذه الفضيحة قد تترك أثرًا طويل الأمد، إذ تهدد بفقدان الثقة الشعبية والدولية في أي جهات وسيطة تجمع التبرعات لغزة خارج الأطر الرسمية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على حجم الدعم الإنساني الذي يحتاجه القطاع بصورة عاجلة.

فوضى مالية بلا محاسبة… والمواطن يدفع الثمن

حتى اللحظة، لم تصدر الحركة بيانًا رسميًا يوضح موقفها من الاتهامات، مكتفية بالصمت إزاء موجة التساؤلات المتصاعدة.
وبينما تتواصل الاتهامات وتتداخل الروايات، يبقى المواطن الغزي هو الضحية الأكبر في هذه الفوضى المالية، بينما تتكشف تفاصيل “اقتصاد ظل” قائم على المتاجرة بمعاناة الفلسطينيين.

ومع استمرار غياب آليات الرقابة والمحاسبة، يطالب مراقبون ومختصون بضرورة إنهاء نموذج “التبرعات مجهولة المصير”، واعتماد قنوات رسمية وواضحة لإدارة الدعم المالي، كي لا تتكرر هذه الممارسات في ظل كارثة إنسانية تضرب ملايين الفلسطينيين في القطاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *