بعد شهور طويلة قضاها بين الحرب والانتظار ومحاولات البحث عن فرصة لمواصلة تعليمه، لم يتمالك الشاب الفلسطيني شاكر البحيصي نفسه عندما شاهد علم إيرلندا للمرة الأولى بعد خروجه من قطاع غزة.
كانت تلك اللحظة بالنسبة إلى الطالب البالغ من العمر 22 عامًا أكثر من مجرد الوصول إلى دولة جديدة؛ فقد عنت انتهاء مرحلة عاش خلالها الخوف وعدم اليقين، وبداية حياة أصبح يستطيع فيها العودة إلى الجامعة والتفكير بالمستقبل من جديد.
حصل شاكر على منحة للدراسة في University College Dublin، بعدما كان يقيم في مخيم دير البلح وسط قطاع غزة. وكان من المقرر أن يبدأ برنامجًا دراسيًا في العلوم البيولوجية والجزيئية، إلا أن مغادرته القطاع بقيت العقبة الأصعب.
وفي أغسطس/آب 2025، كان شاكر لا يزال داخل غزة بينما تمكن عشرات الطلاب الآخرين من الخروج إلى إيرلندا. وقال آنذاك إنه شعر بأنه «منسي» بعدما شاهد زملاءه يغادرون بينما بقي هو خلفهم رغم حصوله على القبول الجامعي ومعظم الأوراق المطلوبة.
لكن بعد أيام، تلقى اتصالات من جامعة دبلن والسلطات الإيرلندية، وبدأت ترتيبات خروجه.
وفي الشهر التالي غادر غزة ضمن مجموعة من نحو 15 طالبًا فلسطينيًا. وخلال الرحلة مرت الحافلة بمدينة رفح، حيث قال شاكر إنه بالكاد استطاع التعرف إلى المناطق التي كان يعرفها قبل الحرب بسبب حجم الدمار.
أما اللحظة التي بقيت محفورة في ذاكرته فكانت بعد عبوره الحدود ورؤيته أشخاصًا يرتدون سترات برتقالية تحمل اسم إيرلندا.
وقال لصحيفة The Irish Times: «بكيت عندما رأيت علم إيرلندا»، موضحًا أن الأشخاص الذين استقبلوه كانوا من أوائل من ابتسموا له منذ فترة طويلة، وإن تلك اللحظة جعلته يشعر بأنه «إنسان من جديد».
وصل شاكر بعدها إلى دبلن، وبدأ دراسة الماجستير في العلوم البيولوجية والجزيئية في University College Dublin، لينتقل خلال أسابيع من واقع المخيم والحرب إلى مختبرات الجامعة وقاعات الدراسة.
وتحدث لاحقًا عن حجم الفرصة التي حصل عليها، قائلاً إنه لم يكن يتخيل أثناء وجوده في غزة أن تصبح أمامه إمكانية الدراسة في جامعة خارجية بمنحة كاملة. وأوضح أن الدعم الأكاديمي الذي تلقاه أعاد إليه الأمل خلال واحدة من أصعب مراحل حياته.
لكن فرحته بالوصول بقيت مرتبطة بعائلته التي تركها في غزة؛ إذ واصل التواصل مع والديه وإخوته بصورة يومية.
ورغم هذا القلق، تغيرت حياته بصورة كبيرة. أصبح يذهب إلى الجامعة، يعمل على أبحاثه، ويخطط لمساره الأكاديمي بدلًا من انتظار فرصة للنجاة من يوم إلى آخر.
ومن طالب كان يشعر بأنه «تُرك خلف الآخرين»، تحول شاكر خلال أسابيع إلى طالب ماجستير في دبلن، يحمل معه طموحًا لمواصلة العمل في المجال العلمي.
وبين دموعه عند رؤية العلم الإيرلندي وعودته إلى مقاعد الدراسة، اختصرت رحلته تحولًا كبيرًا في حياته: من انتظار الخروج من غزة إلى بداية أكاديمية جديدة أعادت إليه الأمان والشعور بالإنسانية والقدرة على التخطيط للمستقبل.