قبل أشهر فقط، كان الفلسطيني عبد الله الجزار يقضي ساعات يوميًا في حمل المياه إلى الخيمة التي يعيش فيها داخل قطاع غزة، أما اليوم فيكفيه أن يفتح صنبور المياه في سكنه الجامعي في إيرلندا.
هذا التناقض الكبير بين الحياتين جعله يصف ما يعيشه بعد مغادرة غزة بعبارة مختصرة: «الأمر يشبه فيلمًا».
وصل عبد الله إلى إيرلندا في أغسطس/آب 2025 بعد إجلائه من قطاع غزة للحصول على منحة دراسية في جامعة ماينوث Maynooth University، حيث بدأ دراسة الماجستير في الأدب الإنجليزي، ضمن برنامج Literature of Engagement.
وقبل خروجه، كانت حياته اليومية مرتبطة أساسًا بالبحث عن أبسط الاحتياجات.
وتحدث عبد الله لاحقًا عن أنه كان يقضي ما يصل إلى أربع ساعات في اليوم في حمل المياه من وإلى الخيمة، بينما أصبح في إيرلندا يعيش تجربة مختلفة تمامًا؛ المياه متوفرة، السكن الجامعي آمن، والجامعة أصبحت جزءًا من روتينه اليومي.
وقال في حديث لـRTÉ إن حياته الجديدة تبدو أحيانًا «مثل فيلم»، في إشارة إلى سرعة الانتقال بين عالمين متناقضين بصورة يصعب عليه استيعابها.
وعندما غادر غزة، لم تكن الرحلة مجرد انتقال جغرافي.
فقد ترك والدته وأفرادًا من أسرته خلفه، بينما ظل مصير شقيقه نور، الذي فُقد خلال الحرب، حاضرًا في ذهنه. ولهذا فإن الشعور بالأمان في إيرلندا رافقته مشاعر الحنين والقلق على عائلته.
ومع ذلك، بدأ عبد الله تدريجيًا في بناء حياة جديدة.
في جامعة ماينوث، لم يكتفِ بالدراسة، بل أصبح يشارك في أنشطة الجامعة المتعلقة بالطلاب القادمين من غزة، قبل أن يعمل مع مكتب المساواة والتنوع في الجامعة على تنظيم لقاء جمع طلاب الدراسات العليا الفلسطينيين الذين وصلوا إلى إيرلندا.
وفي مايو/أيار 2026، شارك في تنظيم ملتقى ضم طلابًا من جامعات إيرلندية مختلفة، وركز على مساعدتهم في الانتقال من مرحلة الدراسة إلى سوق العمل والحياة المستقلة، من خلال جلسات حول الوظائف وإدارة المال والسكن وبناء العلاقات المهنية.
وبذلك انتقل عبد الله خلال أقل من عام من طالب وصل حديثًا إلى البلاد إلى شخص يساهم بنفسه في مساعدة طلاب آخرين مروا بتجربة مشابهة.
وتظهر صورته في حرم جامعة ماينوث مبتسمًا، مرتديًا قميص الجامعة ويحمل حقيبته، في مشهد يعكس بصورة مباشرة الفارق بين الحياة التي تركها في غزة والمرحلة الجديدة التي بدأها في إيرلندا.
ورغم أنه لا يخفي شعوره بالحنين أو صعوبة التأقلم، يتحدث عبد الله الآن عن المستقبل بصورة عملية؛ فهو يستعد لإنهاء درجة الماجستير، ويفكر في العمل بمجالات إدارة المشاريع أو تنمية الشباب، مؤكدًا أن لديه خطة لحياته بعد التخرج.
وبين خيمة كان يقضي ساعات في تأمين المياه لها وحرم جامعي يناقش فيه مستقبله المهني، تحولت حياة عبد الله إلى رحلة من البقاء إلى البناء.
فرحته بالحياة الجديدة ليست نسيانًا لغزة، لكنها تعني بالنسبة إليه شيئًا كان غائبًا لفترة طويلة: أن يكون آمنًا، وأن يدرس، وأن يستطيع التفكير في اليوم التالي باعتباره مستقبلًا يمكن التخطيط له، لا مجرد يوم آخر يجب النجاة منه.