بعد عامين عاشهما بين النزوح والخوف والدمار في قطاع غزة، وجد الشاب الفلسطيني نعيم أبو سيف نفسه أمام مشهد لم يكن يتوقع أن يراه قريبًا؛ جبال الألب ترتفع أمامه في إيطاليا، بينما كان هو في طريقه لبدء حياة جامعية جديدة في مدينة تورينو.

كانت اللحظة كافية لتفجر مشاعر الشاب البالغ من العمر 22 عامًا. وقال نعيم لصحيفة La Stampa إنه بكى عندما شاهد جبال الألب للمرة الأولى، بعدما انتقل من واقع كان يعتقد فيه أنه قد لا ينجو إلى بلد أصبح يستطيع فيه التفكير مجددًا بالدراسة والمستقبل.

وصل نعيم إلى تورينو في خريف 2025 عبر الممرات الجامعية، بعد رحلة قادته من غزة إلى عمّان ثم إلى إيطاليا. والتحق ببرنامج الماجستير في القانون المقارن والاقتصاد والتمويل في International University College of Turin، التي أعلنت استقباله كأحد طلاب دفعتها الجديدة.

وينحدر نعيم من شمال قطاع غزة، وكان قبل الحرب يتدرب للعمل في مجال الصحافة. وبحسب الجامعة، فقد منزله ووالده وعددًا كبيرًا من أفراد عائلته خلال الحرب، قبل أن يعيش تجربة النزوح التي قلبت حياته رأسًا على عقب.

وخلال وجوده في غزة، لجأ نعيم إلى الكتابة لتوثيق ما عاشه. وتحولت نصوصه لاحقًا إلى كتاب باللغة الإيطالية بعنوان «L’ultimo respiro di Gaza» – النفس الأخير لغزة، حمله معه إلى حياته الجديدة في تورينو.

لكن ما أثار دهشته بعد الوصول لم يكن الجامعة وحدها.

تصف La Stampa نعيم وهو يتجول في شوارع تورينو وينظر إلى المحال والمطاعم والمباني بشيء من عدم التصديق. بعد فترة طويلة من الدمار وعدم اليقين، بدت له تفاصيل الحياة الطبيعية جديدة إلى درجة أنه كان يجد صعوبة في استيعاب أنه أصبح بالفعل في مكان آمن.

أما اللحظة الأكثر سعادة بالنسبة إليه، فكانت عودته إلى مقاعد الدراسة.

في مقابلة مع مجلة Altreconomia، وصف نعيم جلوسه مجددًا داخل قاعة جامعية بأنه أشبه بالاستيقاظ من كابوس. فبعد عامين كان يتساءل فيهما يوميًا إن كان سيبقى حيًا، أصبح يجلس بين الطلاب ويستمع إلى المحاضرات بدلًا من أصوات الحرب.

وبالنسبة إليه، لم يعد فتح الكتاب مجرد نشاط دراسي. فالعودة إلى القراءة تعني استعادة حياته وعقله بعد سنوات من الفوضى، كما تعني أن بإمكانه مرة أخرى وضع خطط للغد.

وتظهر صوره في تورينو وهو يحمل كتابه ويدخل المكتبات ويقف داخل الحرم الجامعي بابتسامة هادئة، في مشاهد تختلف جذريًا عن الحياة التي كان يعيشها قبل أشهر.

ورغم فرحته الكبيرة بالأمان وفرصة الدراسة، لم يقطع نعيم ارتباطه بغزة. فهو يواصل الكتابة والحديث عن تجربته وعن الطلاب الذين ما زالوا ينتظرون فرصة للخروج واستكمال تعليمهم. وفي الوقت نفسه يؤكد أنه يأمل في العودة إلى غزة يومًا ما.

وبين دموع الفرح أمام جبال الألب وعودته إلى فتح الكتب، أصبحت رحلة نعيم أبو سيف قصة انتقال من الخوف من الموت إلى القدرة على التفكير بالحياة مجددًا؛ ومن النزوح في غزة إلى مقعد جامعي في تورينو أعاد إليه شيئًا ظل غائبًا لفترة طويلة: الأمان، الدراسة، والأمل بالمستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *