بالرغم من وجود نقاط تشابه عديدة بين الحرب الباردة القديمة مع الاتحاد السوفياتي والحرب الباردة الجديدة مع الصين، ثمة نقطة اختلاف كبيرة بينهما.

وقع بايدن على قانون حمائي يهمش الحلفاء أنفسهم الذين تحتاج الولايات المتحدة إلى حشدهم ضد الصين

وكتب ماكس بوت في صحيفة “واشنطن بوست” “لم يكن للولايات المتحدة قط علاقة اقتصادية كبيرة مع الاتحاد السوفياتي. بالمقابل، كانت الصين ثالث أكبر سوق للصادرات بالنسبة إلى الولايات المتحدة وأكبر مصدر لوارداتها في 2020”. أضاف بوت أن مصنعاً واحداً في الصين يصنع نحو نصف هواتف آيفون حول العالم، بينما أدت المخاوف التي انتشرت هذا الأسبوع من تباطؤ النمو الصيني بسبب عمليات الإغلاق المرتبطة بالجائحة وموجة التظاهرات هناك إلى انخفاض حاد في أسواق الأسهم الأمريكية. لهذا السبب، على واشنطن أن تسير على حبل رفيع في التعامل مع بكين.

أصعب من سياسة الاحتواء
ثمة حاجة لضمان ألا تغذي التكنولوجيا الأمريكية الجيش الصيني، لكن يجب أيضاً تأمين سلاسل الإمداد لقطع حيوية مثل أشباه الموصلات. لكن ليس بإمكان أمريكا أن تبني جداراً مجازياً بين الاقتصادين. حتى في وقت تتصاعد خلاله التوترات بين الولايات المتحدة والصين، يجب أن تستمر التجارة. إن معرفة التوازن الصحيح بين المواجهة والتعاون في التعامل مع الصين أصعب بكثير من اتباع سياسة الاحتواء مع الاتحاد السوفياتي. تكافح إدارة بايدن للعثور على النهج الصحيح. لقد فهمت أمرين بشكل جيد وأخطأت في ثالث بارز.

أذكى خطوة

كانت أذكى خطوة اتخذها الكونغرس للتنافس مع الصين إقرار قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم والذي سيخصص 280 مليار دولار خلال العقد المقبل لزيادة التنافسية التكنولوجية الأمريكية. أحد أهداف القانون تعزيز الإنتاج المحلي لأشباه الموصلات؛ تصنع الولايات المتحدة فقط 12% من أشباه الموصلات العالمية بعدما كانت تصنع 37% منها خلال التسعينات. يجب أن يساعد ذلك الولايات المتحدة في اجتياز أزمة محتملة حول تايوان التي تمثل أكبر مصنع لأشباه الموصلات في العالم. لا تزال هناك مخاطر تنطوي عليها أي سياسة صناعية؛ ماذا لو دعمت الحكومة التكنولوجيا والحكومات الخطأ مثلاً؟ لكن في هذه الحالة، ليس لدى الولايات المتحدة خيار آخر لضمان أمنها الاقتصادي.

مقامرة أكبر
إن ضوابط الصادرات التي أصدرتها إدارة بايدن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي التي حظرت تصدير أحدث تقنيات صناعة الرقائق إلى الصين تمثل مقامرة أكبر. الدافع وراء هذه الخطوة هو القلق من وصول التكنولوجيا الأمريكية المتطورة إلى أنظمة عسكرية صينية، مع ذلك هي تنطبق على جميع المجالات، لأنه ما من طريقة لمنع التكنولوجيا المدنية من أن تستخدم لأغراض عسكرية. لقد وصف وزير خارجية سنغافورة الأمر التنفيذي بأنه “إعلان كامل لحرب تكنولوجية”، وهي لغاية اللحظة حرب أحادية الجانب.

لضرورة توضيح النوايا
لقد أملت الإدارة الإعلان عن تحالف دولي للحد من وصول الصين إلى الرقائق الإلكترونية الأكثر تطوراً، لكن لاعبين أساسيين في الصناعة، ومن ضمنهم هولندا واليابان، يبدون تحفظات جدية تجاه النهج الأمريكي. بإمكان العقوبات الأمريكية أن تطلق آثاراً عكسية إذا أدت إلى توترات لا مع الصين وحسب، بل أيضاً مع حلفاء أمريكا. قد تطور الصين إمكانات تصنيعية خاصة بها للرقائق الدقيقة المتطورة بسرعة أكبر بكثير إذا حصلت على مساعدة من شركات أجنبية. لجعل الحلفاء يقبلون بالضوابط الأمريكية، يتعين على الرئيس الأمريكي فعل المزيد من أجل إقناعهم بأنه ينوي فقط الحد من التهديد العسكري الصيني لا صعودها الاقتصادي. رأى بوت أنه بشكل عام، لا تزال ضوابط التصدير منطقية. لكن لا يمكن قول الأمر نفسه عن نهج بايدن تجاه مسائل تجارية أخرى مع الصين.

فشلت بكل طريقة يمكن تخيلها
سنة 2018، فرض الرئيس السابق دونالد ترامب رسوماً وصلت إلى 25% على نحو ثلثي الواردات الأمريكية من الصين التي بلغت 335 مليار دولار. لقد فشلت تلك الرسوم بكل طريقة يمكن تخيلها. لقد زادت الأسعار وبالتالي التضخم على المستهلكين الأمريكيين وخفضت الصادرات الزراعية وفشلت في زيادة الوظائف في القطاع الصناعي وتركت تأثيراً ضئيلاً على العجز التجاري الأمريكي مع الصين. وقدرت إحدى الدراسات أنها كلفت الأمريكيين 245 ألف وظيفة.

مع ذلك، يرفض بايدن إلغاء رسوم ترامب الجمركية، ربما لأنه يريد أن ينظر إليه على أنه مدافع عن “الطبقة الوسطى” وألا ينظر إليه كشخص متساهل مع الصين. وأدى اعتناق بايدن للحمائية إلى منعه من معاودة الانضمام إلى الشراكة العابرة للأطلسي وهي اتفاق تجاري مهم بين 12 دولة إندو-باسيفية تفاوضت بشأنه إدارة أوباما-بايدن وتخلى عنه ترامب بشكل أحمق وفق بوت. عوضاً عن ذلك، أطلق بايدن نسخة مقلدة تدعى الإطار الاقتصادي للإندو-باسيفيك المحكوم عليه بالفشل لأنه لا يوفر أي وصول موسع إلى الأسواق الأمريكية.

غضب الحلفاء
في غضون ذلك، تابع بوت، وقع بايدن على قانون حمائي يهمش الحلفاء أنفسهم الذين تحتاج الولايات المتحدة إلى حشدهم ضد الصين. يوفر قانون خفض التضخم ائتماناً ضريبياً بقيمة 7500 دولار لشراء سيارات كهربائية تم جمعها في أمريكا الشمالية. يشعر صانعو السيارات في كوريا الجنوبية واليابان وألمانيا بالغضب، لأنهم سيخسرون مبيعات نتيجة لذلك. ليس للولايات المتحدة موازن حقيقي للشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي أسستها الصين سنة 2020 مع 14 دولة أخرى من بينها حلفاء للولايات المتحدة مثل كوريا الجنوبية واليابان وأوستراليا. في معركة توسيع التجارة، أمريكا منخرطة في نزع سلاح أحادي الجانب.

أساس مهزوز
لقد تطور إجماع بين الحزبين في واشنطن بشأن كون التجارة الحرة، لا سيما مع الصين، تفرض كلفة على الوظائف الأمريكية. لكن هذا الإجماع يستند إلى أساس تجريبي مهزوز. حسب هارفارد بزنس ريفيو، تظهر الأدبيات الاقتصادية أن “بعض المناطق في الولايات المتحدة خسرت وظائف تصنيعية نتيجة للتجارة مع الصين في أوائل الألفية الحالية، لكن هذا الاتجاه انتهى”. علاوة على ذلك، حتى في أوائل الألفية، ثمة دليل على أن التجارة مع الصين عززت إجمالي التوظيف في الولايات المتحدة من خلال خلق وظائف جديدة في قطاع الخدمات.

حاجة للهجوم
يرى بوت في الختام أن بايدن محق في دعم تطوير التكنولوجيا الأمريكية والحد من تصدير الرقائق المتطورة إلى الصين، لكنه يرتكب خطأ بارزاً عبر إدارة ظهره للتجارة الحرة. تتطلع الصين إلى توسيع تجارتها الدولية؛ يجب على أمريكا فعل الأمر نفسه عوضاً عن أن تختبئ في قبو ماغا (شعار ترامب اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً). “إذا كنا سنخوض تنافساً اقتصادياً مع الصين، فسنحتاج للهجوم كما الدفاع”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *