بعد أشهر من النزوح والخوف داخل قطاع غزة، حمل وصول طبيب الأسنان والمحاضر الجامعي الفلسطيني سعدو خلف إلى أستراليا شعورًا مختلفًا تمامًا؛ فبعيدًا عن أصوات الحرب وحياة التنقل المستمر، وجد نفسه مع أسرته في مكان آمن، قادرًا للمرة الأولى منذ شهور على التفكير في المستقبل وإعادة بناء حياته.

وصل خلف، البالغ من العمر 47 عامًا، إلى سيدني مع عائلته في مارس/آذار 2024، بعدما اضطروا إلى مغادرة منزلهم في غزة بعد يوم واحد فقط من اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

تنقلت الأسرة بين مناطق مختلفة داخل القطاع، قبل أن تتمكن في نهاية المطاف من العبور إلى مصر، ومنها بدأت رحلة جديدة انتهت بالوصول إلى أستراليا بتأشيرة زيارة مدتها ثلاثة أشهر.

وبالنسبة لخلف، لم يكن الوصول مجرد انتقال من دولة إلى أخرى، بل خروجًا من مرحلة عاش فيها مع أسرته تحت ضغط الخوف وعدم اليقين إلى واقع يستطيع فيه التفكير مجددًا في العمل والاستقرار ومستقبل أبنائه.

كان خلف قبل الحرب طبيب أسنان ناجحًا ومحاضرًا جامعيًا، وقال لشبكة ABC الأسترالية إن حياته في غزة كانت «جيدة جدًا»، قبل أن تتبدد خطط الأسرة وأحلامها خلال فترة قصيرة.

ومع ذلك، لم تكن بدايته في سيدني سهلة.

فالتأشيرة التي دخل بها أستراليا لم تكن تمنحه حق العمل، كما أن شهاداته وخبرته الطويلة في طب الأسنان لم تُعترف بها تلقائيًا داخل النظام الأسترالي.

لكن الوضع تغير بعد تقدمه بطلب للحصول على الحماية وحصوله على تأشيرة انتقالية سمحت له بالعمل والوصول إلى خدمات الرعاية الصحية عبر Medicare.

وكانت تلك الخطوة بالنسبة إليه مصدر ارتياح وامتنان واضحين.

ورغم انتقاله من العمل طبيبًا ومحاضرًا جامعيًا إلى وظائف مؤقتة في متجر ومصنع للحوم ومستودعات، أكد خلف أنه ممتن لكونه أصبح قادرًا على العمل من جديد، وأنه يتعامل مع أي وظيفة يحصل عليها بالجدية نفسها التي كان يتعامل بها مع مهنته السابقة.

كما تحدث عن الترحيب الذي وجده من المجتمع المحيط به في سيدني، وهو ما منحه وعائلته مساحة أكبر للشعور بالأمان والبدء في التأقلم مع حياتهم الجديدة.

وبينما لا يزال يحلم بالعودة إلى مجال طب الأسنان واستعادة مسيرته المهنية، فإن أولوياته تغيرت بعد تجربة الحرب.

فما كان يعني النجاح سابقًا من مكانة مهنية واستقرار وظيفي، أصبح يبدأ الآن بأشياء أكثر بساطة: أن تكون أسرته بعيدة عن الخطر، وأن يستطيع العمل، وأن يستيقظ وهو قادر على التخطيط لليوم التالي.

ويختصر خلف سبب خروجه من غزة بالقول إن الأمر لم يكن بحثًا عن وظيفة في أستراليا، بل كان «مسألة إنقاذ حياتك».

واليوم، يحاول الطبيب الفلسطيني بناء حياة جديدة في الضواحي الغربية لسيدني، وهو يحمل معه خبرته وطموحه للعودة إلى مهنته يومًا ما.

وبين الخروج من الحرب والوصول إلى الأمان، تحولت رحلة سعدو خلف إلى قصة بداية ثانية؛ لم تستعد فيها الأسرة بعد كل ما كانت تملكه في غزة، لكنها استعادت شيئًا أكثر إلحاحًا: الأمان، والقدرة على العمل، والأمل في مستقبل جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *