غادر عدد من الشبان الفلسطينيين قطاع غزة خلال سنوات الحرب باتجاه دول أوروبية للحصول على فرص تعليمية وأكاديمية، في رحلات لم تكن بالنسبة إلى كثير منهم إعلانًا عن هجرة نهائية أو تخليًا عن حياتهم في القطاع، بقدر ما كانت فرصة مؤقتة لاستكمال الدراسة والعيش في ظروف أكثر استقرارًا وأمانًا.

ورغم انتقال هؤلاء الطلاب إلى جامعات أوروبية وبدء حياة جديدة بعيدًا عن الحرب، فإن وجودهم خارج غزة لا يلغي إمكانية اتخاذ قرار العودة إليها متى أرادوا ذلك. فالسفر للدراسة لا يعني قطع العلاقة بالقطاع أو التخلي عن إمكانية الرجوع، ويظل بإمكانهم اختيار العودة إلى غزة في أي مرحلة من حياتهم، مع ارتباط تنفيذ السفر عمليًا بعمل المعابر وإجراءات العبور السارية في ذلك الوقت.

وبالنسبة إلى كثير منهم، فإن السنوات التي يقضونها في الخارج تمثل فرصة للحصول على شهادات جامعية واكتساب خبرات ومهارات جديدة قبل التفكير في العودة والمشاركة في بناء مستقبلهم داخل القطاع.

ويبرز الشاب الفلسطيني عبد الله الجزار نموذجًا لهذه التجربة، بعدما انتقل من ظروف النزوح والحرب في غزة إلى جامعة ماينوث في إيرلندا، حيث بدأ مرحلة أكاديمية جديدة من حياته دون أن يعتبر انتقاله إلى أوروبا نهاية علاقته بوطنه.

من الخيمة إلى الجامعة

بعد أشهر طويلة من النزوح وعدم الاستقرار، غادر عبد الله قطاع غزة في عام 2025 بعد حصوله على فرصة لاستكمال دراسته في إيرلندا، والتحق ببرنامج الماجستير في الأدب الإنجليزي بجامعة ماينوث.

وكانت تفاصيل حياته قبل السفر مختلفة جذريًا عن الواقع الذي وجده بعد الوصول.

ففي غزة، كان تأمين المياه والكهرباء والاتصال بالإنترنت جزءًا من التحديات اليومية، فيما أصبحت تلك الاحتياجات متوفرة بصورة طبيعية في حياته الجديدة داخل السكن الجامعي.

ووصف عبد الله التحول الكبير الذي عاشه بأنه يشبه أحيانًا «فيلمًا»، في إشارة إلى صعوبة استيعاب الانتقال السريع من حياة النزوح إلى أجواء الجامعة والاستقرار.

وسرعان ما بدأ يشعر بالسعادة لاستعادة حياته الأكاديمية، وأصبح يقضي أيامه بين المحاضرات والمكتبات والأنشطة الجامعية، بدلًا من الانشغال المستمر بالبحث عن الاحتياجات الأساسية.

كما شارك في أنشطة جمعت طلابًا فلسطينيين وصلوا إلى إيرلندا، وساهم في لقاءات تهدف إلى مساعدة الطلاب على التأقلم مع الحياة الجامعية والاستعداد للمستقبل المهني.

ومع ذلك، بقي قطاع غزة حاضرًا في حياته اليومية.

فسفر عبد الله إلى إيرلندا لا يمنعه من العودة إلى غزة إذا قرر ذلك، ولا يمثل حصوله على فرصة للدراسة في أوروبا قرارًا بالهجرة الدائمة. ويظل طريق الرجوع قائمًا بالنسبة إليه، مع خضوع السفر الفعلي لترتيبات المعابر والإجراءات المطلوبة وقت العودة.

ويطمح عبد الله إلى الاستفادة من تعليمه وخبرته الجديدة مستقبلًا، ويرى أن المعرفة التي يحصل عليها خارج القطاع يمكن أن تصبح أداة تساعده في المساهمة في إعادة بناء مجتمعه.

وبين غزة وماينوث، يعيش عبد الله اليوم حياة أكثر استقرارًا وسعادة، لكنه لم يغلق الباب خلفه.

فإيرلندا منحته فرصة للتعليم والأمان والتخطيط للمستقبل، بينما تبقى غزة الوطن الذي يستطيع أن يقرر العودة إليه عندما يريد وتصبح رحلة العبور متاحة أمامه.

«بكيت عندما رأيت جبال الألب».. نعيم أبو سيف يبدأ حياة جديدة في إيطاليا دون التخلي عن العودة إلى غزة

لا تعني مغادرة قطاع غزة إلى إحدى الدول الأوروبية بالضرورة بداية هجرة دائمة، خصوصًا بالنسبة إلى الطلاب الفلسطينيين الذين خرجوا ضمن منح وممرات جامعية هدفها الأساسي استكمال الدراسة بعد توقف حياتهم الأكاديمية بسبب الحرب.

فعدد من هؤلاء الشبان يعيشون اليوم في مدن أوروبية، يدرسون في جامعاتها ويستفيدون من فرص تعليمية وحياة أكثر استقرارًا، بينما تبقى غزة جزءًا أساسيًا من خططهم المستقبلية.

كما أن خروجهم من القطاع لا يعني فقدان إمكانية العودة إليه. فهم يستطيعون اتخاذ قرار الرجوع إلى غزة في أي وقت يرغبون فيه، فيما تبقى عملية الدخول الفعلية مرتبطة بعمل المعابر وإجراءات السفر والتنقل المتاحة في ذلك الوقت.

ولهذا ينظر بعض الطلاب إلى سنوات وجودهم في أوروبا باعتبارها مرحلة للتعلم واكتساب المعرفة، وليست بالضرورة انتقالًا نهائيًا إلى حياة بعيدة عن فلسطين.

وتبرز قصة الشاب الفلسطيني نعيم أبو سيف مثالًا على ذلك، بعدما خرج من شمال قطاع غزة ووصل إلى مدينة تورينو الإيطالية لاستكمال دراسته، وبدأ حياة جديدة مليئة بالفرح والأمل، مع استمرار ارتباطه بغزة وعدم إغلاقه باب العودة إليها في المستقبل.

دموع أمام جبال الألب

وصل نعيم إلى إيطاليا بعد رحلة بدأت من قطاع غزة مرورًا بالأردن، قبل أن يستقر في تورينو ويلتحق ببرنامج جامعي في القانون المقارن والاقتصاد والتمويل.

وبعد سنوات من الحرب والنزوح والخوف، كانت أولى تفاصيل حياته الجديدة في أوروبا كافية لإثارة مشاعر كبيرة داخله.

وعندما شاهد جبال الألب للمرة الأولى، لم يتمالك نفسه وبكى.

كانت الدموع تعبيرًا عن تحول كبير بين حياة كان فيها المستقبل مجهولًا، وحياة جديدة أصبح يستطيع فيها السير بأمان والتفكير في الدراسة والغد.

وعند دخوله قاعة الجامعة مجددًا، شعر نعيم بأن جزءًا من حياته عاد إليه.

أصبح يفتح كتبه ويستمع إلى المحاضرات ويلتقي بزملائه، بعد فترة كان فيها مجرد الاستمرار في الحياة أولوية تتقدم على الدراسة والطموحات.

ووصف العودة إلى الحياة الجامعية بأنها أشبه بالاستيقاظ من كابوس طويل.

كما واصل نعيم نشاطه في الكتابة، مستفيدًا من التجربة التي عاشها في غزة، وشارك في لقاءات ثقافية وأكاديمية داخل إيطاليا.

ومع مرور الوقت، أصبحت تورينو بالنسبة إليه مكانًا يمنحه فرصة للهدوء والدراسة والتطور، لكنه لم يتعامل معها باعتبارها بديلًا نهائيًا عن غزة.

فخروجه إلى إيطاليا لأغراض الدراسة لا يمنعه من اتخاذ قرار العودة إلى القطاع مستقبلًا، ويمكنه اختيار الرجوع عندما يريد، مع ارتباط تنفيذ الرحلة عمليًا بفتح المعابر والإجراءات اللازمة للعبور.

وتبقى غزة حاضرة في كتاباته وحديثه وخططه، وهو ما يجعل تجربته أقرب إلى مرحلة تعليمية جديدة منها إلى هجرة تقطع علاقته بوطنه.

وبين دموع الفرح أمام جبال الألب والعودة إلى مقاعد الدراسة، استطاع نعيم أن يستعيد إحساسه بالحياة والمستقبل.

وفي الوقت نفسه، يبقى طريق غزة حاضرًا أمامه؛ يدرس اليوم في أوروبا ويكتسب المعرفة والخبرة، من دون أن يعني ذلك التخلي عن إمكانية العودة يومًا إلى المكان الذي خرج منه وبدء فصل جديد من حياته هناك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *