وقصة التنسيق هذه من خلف دخان المعركة غير مقنعة، الأمر الذي أدى إلى فتور العلاقة بينها وبين حركة الجهاد المرتبطة بإيران ولا يستطيع، أحد إنكار وجود هذا الفتور واختلاف الرأي بين الجهتين بدليل التصريحات العاتبة التي أطلقها أمين عام الجهاد بعد الحرب الأخيرة، كما أن رفض مشاركة الجهاد في حوار القاهرة للمصالحة بين رام الله وغزة وتجاوز الانقسام يعد خروجا على قرار حماس بالمشاركة ويشير إلى أن المصالح بين الطرفين لم تعد واحدة، وبدأت الخطوط بينهما بالتقطع والابتعاد عن بعضها، وقد أكد ذلك أحد قيادي الحركة الإسلامية في عمان عندما قال في أحد اللقاءات أن حماس لا تريد أن تكون مواقفها وحروبها على التوقيت الإيراني، وهذه إشارة واضحة لخلافها مع “الجهاد”، التي تربط توقيتها السياسي والعسكري على الساعة الإيرانية، مع العلم أن حماس توقيتها مرتبط بحلفائها في المنطقة، فهي لم تشارك في الحربين الأخيرتين بقرار ذاتي، بل كان الرأي والقرار عند الحلفاء أن لا تتورط بهذه الحروب.
حركة حماس جزء من تنظيم الإخوان المسلمين، وإن أعلنت عكس ذلك أكثر من مرة، فإن هذا من باب المواراة السياسية لا أكثر ولا أقل، وهي تتصرف سياسيا كنسخة عن تصرف الإخوان وتفكيرهم البراغماتي في السياسة، وحتى ارتباطاتها السياسية هي نفس ارتباطات الإخوان، فالحلفاء أنفسهم، والدعم نفسه.
ربما يكون من حق حماس أن تكون مواقفها كما هي عليه الآن حفاظا على مصالحها، لكن عليها أن تقنع جمهورها وتصارحه بطبيعة الظروف التي جدت عليها كحركة مقاومة اضطرتها إلى الاستدارة أكثر من قبل إلى السياسة وأنها إن لم تفعل ذلك سيكون الثمن باهظا، ولكن من سيدفع الثمن، بالطبع ليس الشعب الفلسطيني في غزة، فحماس تتصرف من أجل الحفاظ على وجودها ومكتسباتها هي، في المقابل فإن وجود غزة وأبنائها جزء من وجود فلسطين والشعب الفلسطيني كله، والحل عندما سيأتي، ستكون غزة بالقطع جزءا أساسيا منه، لأن الإنقسام الحالي بين رام الله وغزة لن يستمر للأبد لأنه مولود مشوه غير قابل للحياة، والحديث عن الانقسام ربما يطال حماس جزءا كبيرا من مسؤوليته أمام التاريخ وأمام الفلسطينيين أنفسهم،كما سيطال حركة فتح صاخبة السلطة في رام الله ، وسيأتي يوم تنكشف فيه الحقائق والأوراق كلها ليحكم الفلسطينيون على هذا الانقسام الذي يمثل خنجرا في ظهر كل فلسطيني .
على المقطع الآخر للمشهد، فإن مقاومة المواطن الفلسطيني تزداد وتشتعل كل يوم أكثر من الذي سبق، وهذا يعني أن هذه المقاومة أصبحت تيارا يدفع أبناء فلسطين بعيدا عن الإرتباط التنظيمي، الأمر الذي يرعب إسرائيل، لأنها لم تعد تتعامل مع عناوين محددة، بل أصبح كل واحد أبناء فلسطين الذين يشعرون بالقهر ويرفضون الاحتلال لأرضهم مع يأسهم من قياداتهم التي لم تقدم لهم شيئا على امتداد سنوات الاحتلال عنوان بذاته، والذي يرهب إسرائيل أكثر أن الشباب المقاوم تحققت لهم حاضنة كبيرة عند كل الفلسطينيين، بعيدا عن الأطر التنظيمية الضيقة، ولم تعد حركات المقاومة سواء في غزة أو الضفة تستطيع تبني هذه العمليات البطولية سوى تلك البيانات التي تحمل الإشادة والدعم لأنها تعلم جيدا أن هؤلاء الشباب يتحركون ذاتيا حاملين الفكرة ومتخلين عن أسوار التنظيمات التي تضيق وتتسع حسب السياسة ومواقفها.
بالمجمل، لا شك أن وجه المقاومة على المستوى التنظيمي طرأ عليه تغير واضح في السلوك المقاوم، نتيجة التحالفات وحواضنها السياسية وربما تكون أحيانا معذورة في ذلك حفاظا على وجودها كما اشرت، ولكن السؤال: هل تتحمل القضية هذا الوضع المستجد وهذه التقلبات، واسرائيل تمارس مزيدا من التعنت وتستمر باحتلاها بكل بطش وجبروت وعدم اعتراف بحق الفلسطيني حتى في الحياة.
لقد تعب الفلسطينيون من ألاعيب السياسة ودهاليزها على المستويين الفلسطيني والعربي في ظل إدارة ظهر كاملة من العالم لحقوقهم، وبالتالي فإن ما نشهده من تصعيد لمقاومة نوعية من قبل الشباب على الأرض هو رد فعل طبيعي لما يواجهونه من واقع مرير على كل المستويات وفقدانهم الثقة بكل عناوين السياسة حتى من قبل قادة الفصائل التي جاءت تحت عنوان المقاومة، والزمن القادم سيسحم الأمر لمن يكون القرار، للمقاومة على الأرض أو للمقاومة عبر السياسة وتقلباتها.