خلال ساعات أو أيام قليلة قد يتمكّن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية من زيارة الساحة الحمراء والكرملين ثم الإطلالة على تماثيل لينين وكبار قادة الاتحاد السوفيتي قبل عقد مشاورات مع وفد يمثّل حركة حماس في مقر وزارة الخارجية الروسية.
النبأ الأكثر إثارة للجدل يتحدّث عن وصول الشيخ إسماعيل هنية ووفد من قيادات حركة حماس إلى العاصمة موسكو في زيارة قد تكون هي الأولى من نوعها لا بل تؤشر على أول حالة تلامس وتواصل بين روسيا بحلتها الجديدة اليوم حيث تخوض حربا طاحنة في اوكرانيا مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية وبين أحد أهم وأدق تعبيرات الاسلام السياسي في المنطقة العربية.
حركة حماس استعدّت جيدًا لهذه الزيارة و مكتبها السياسي قرر بعد اجتماعين مكثفين تلبية الدعوة التي وردت للحركة من مكتب وزير الخارجية الروسي وعلى اساس الانخراط في جملة تكتيكية جديدة تحت عنوان التحدث مع كل طرف يريد أن يتحدّث مع المقاومة الإسلامية في فلسطين المحتلة وتحديدا في قطاع غزة.
تحفظات قليلة عند عضوين على الأقل من أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس تم تجاهلها فقد صنّف المشار إليهما هذه الزيارة بأنها خطيرة وقد تنتهي بمجازفات غير محسوبة ولكن المشاورات انتهت بالتصويت لصالح هذه الزيارة تحت عنوان الاستكشاف والاستطلاع ومعرفة ما الذي تريده موسكو من حركة حماس في هذه المرحلة تحديدا بعد استقبالها بصفة رسمية وإقامة أول مشاورات ذات بعد رسمي مع المؤسسة الروسية.
طبعا تعرف حركة حماس مسبقا بأن موسكو هنا تناكف الإدارة الأمريكية وتناكف الدول الأوروبية التي سعى بعضها لوسم حركة حماس باعتبارها حركة ارهابية.
كما تناكف واشنطن التي لا تريد إجراء أي اتصالات مباشرة مع قيادة حركة حماس لكن القيادة السياسية لحركة حماس كان لها رأي مختلف في التكييش السياسي وفي التواصل وفي فتح آفاق جديدة وهو ما أشار له القيادي السياسي في حماس خالد مشعل على هامش زيارة مثيرة تضمّنت توسيع بيكار التواصل مع الاردن قبل اكثر من اسبوعين حيث ألمح مشعل هنا إلى ان حركة حماس تجري اتصالات مع اطراف روسية ومع عدة دول ومع بعض الدول عبر طرف ثالث.
بكل حال عمليا لا يوجد فائض من المكاسب السياسية يمكن أن ينتج عن هذه الزيارة والتي يعرف قادة حماس لا بل تحدث بوضوح في عمان عن أنها تنطوي على مناكفة من روسيا المنغمسة في الهم الأوكراني.
لكن التواجد في موسكو يمنح قادة حركة حماس والشعب الفلسطيني فرصة إيصال الصوت وفرصة التحدث مع دولة كبيرة ومؤثرة في المنطقة ودوليا مثل روسيا وعلى أساس ازدواجية المعايير والتناقض في اللعب على الوتر الاوكراني وبالتالي حركة حماس قررت الذهاب في هذه الطريق بعد سلسلة مشاورات لإنجاح وفد الحركة إلى موسكو تمت عمليا عبر السفارة الروسية في العاصمة اللبنانية بيروت.
حركة حماس على علم مسبق عمليا بأن زعيم الكرملين لديه حسابات اليوم هي التي دفعت باتجاه محاولة احتضان حركة حماس في أوّل حوار سياسي رسمي مباشر.
وبين تلك الحسابات بوضوح السعي لمناكفة حكومة اليمين الاسرائيلي حيث العلاقات بين موسكو وتل أبيب في حالة انقسام غير مسبوقة وحيث اجراءات اتخذها الرئيس فلاديمير بوتين ضد إسرائيل داخل موسكو وحيث عتب شديد وصل إلى حالة تلامس مع المقاومة الفلسطينية تقريبا ولأول مرة وبعيد عن السلطة الوطنية الفلسطينية واتفاقية أوسلو وما يسمى الرباعية الدولية أو الراعي الدولي لعملية السلام غير الموجودة الآن.
وموسكو حتى بتقدير مطبخ حماس تناكف الأمريكيين ايضا وتريد الانخراط في عملية يبدو أنها أوسع قليلا من مجرد استقبال قادة حماس فهي على صلة بمنشقين عن حركة فتح وبين معارضين للسلطة وللرئيس الفلسطيني محمود عباس والانطباع كبير بأن موسكو بصدد دعم ما تسميه اوساطها المختصة بالعالم العربي أو بالقضايا العربية بدبلوماسية الحوار الفلسطيني الداخلي بمعنى أن روسيا تخطط للاختراق.
في المقابل حسبت حركة حماس هذه المغامرة بمبضع طبيب جراح كما يقال والسبب أن عدة اطراف عربية قد يكون من بينها الأردن ومصر بذلت جهودا محددة وعميقة خلف الستارة والكواليس لمنع حالة انسياب في العلاقات والمشاورات بين حركة حماس وروسيا وسط انطباع على الأقل من ناحية الاردنيين بان المطلوب في هذه المرحلة ليس اختراقا روسيا لتفاصيل لها علاقة بالصراع مع اسرائيل ولا تشتيت الأوراق والملامح بقدر ما هو حصريا حيث الإدارة الأمريكية وبعد استغلال ظروف الانشغال في أوكرانيا على إعادة إحياء حل الدولتين حيث مخاوف من أن يؤدي التواصل مع حماس وغيرها من أطياف المقاومات والمعارضات العربية السنية إلى إشكالات تُعيق عملية سلام غير موجودة عمليا.
وفد حماس في موسكو مباشرة بعد نقاشات مع مسئولين في فصائل أخرى من بينها الجبهة الشعبية والديمقراطية وحركة الجهاد الإسلامي وانطباع الدبلوماسية الأوروبية عن موسكو قرّرت الدخول على خط نقاشات مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس.