وعادت أزمة الودائع إلى الواجهة اليوم بعد أن اقتحم مسلحان مصرفين لبنانيين لسحب جزء من أموالهم. وقالت مصادر لبنانية، إن المودع الأول، اقتحم مصرف “MED” في منطقة عاليه، وتمكن من سحب وديعته البالغة 30 ألف دولار، وسلم نفسه للقوى الأمنية.
وفي حادثة مشابهة، اقتحمت مودعة تدعى سالي حافظ تحمل مسدساً بلاستيكياً فرع “بلوم بنك” في السوديكو، حيث هددت بحرق نفسها بعد سكب البنزين على الموظفين وعلى نفسها. وتمكّنت من سحب مبلغ 20 ألف دولار من حسابها قبل أن تغادر.
خداع
عقب اقتحام سالي لبلوم بنك، سارع الأخير لإطلاق بيان أكد فيه، أن العميلة لم تحضر إلى الفرع أو تقم بأي عملية مصرفية من أي نوع كان منذ أكثر من عام ونصف عام. ويوم أمس قامت العملية بزيارة الفرع واجتمعت بمديره وطلبت منه إمكانية مساعدتها في سحب مبلغ من حسابها وأبدى مدير الفرع التعاون التام وطلب منها تزويده بالمستندات لمساعدتها، إلا أن الفرع تفاجأ هذا الصباح باقتحام العملية المذكورة للبنك.
ورداً على بيان البنك، قالت شقيقة سالي، “لا يوجد دولة لتحافظ على أموالنا وحقوقنا وأختي عليها أن تسافر إلى الخارج ولديها ورم في رأسها، فلجأنا أولاً إلى وزارة الصحة فأجاب الوزير بأن الوزارة ليس لديها مالاً وهم عاجزين عن مساعدة الناس”.
وتابعت، “ما حصل هو أننا طلبنا من عدة مصارف وطالبنا بأموالنا وهذا من حقنا ولكنها رفضت إعطاءنا أموالنا”.
قبل الحادثتين الأخيرتين، اقتحم مسلح في أغسطس (آب) الماضي، بنك “فدرال” في بيروت، حيث احتجز الأشخاص الموجودين بداخله، من مودعين وموظفين، مطالباً بتسليمه أمواله.
وفي يناير (كانون الثاني) اقتحم المودع عبد الله الساعي مصرفاً في منطقة جب جنين، بقاع لبنان الغربي، واحتجز موظفي “بنك بيروت والبلاد العربية” حتى قاموا بتمكينه من الحصول على ودائعه المالية البالغة 50 ألف دولار.
بداية الأزمة
بعد اندلاع احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) 2019، بدأ عدد كبير من المصارف في لبنان بإغلاق أبوابه أمام المودعين والمتعاملين، بحجة، أن المظاهرات العارمة تسببت بإقفال الطرق وقطعت أواصر البلد، ومنعت الموظفين من الوصول إلى أماكن عملهم.

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قال حينها معلقاً على إغلاق المصارف، إن ذلك لم يكن قرار البنك المركزي، إنما “هذا واقع بسبب إقفال الطرقات وتوقف الاقتصاد”.
عدد كبير من اللبنانيين لم يقتنع بتلك التفسيرات الواهية، وأكد أن خلف الإغلاق المنظم تقف أسباب كبيرة، وكشفت تقارير عدة، أن حجم الودائع في المصارف اللبنانية قبل 2019 بلغ نحو 120 مليار دولار، لكنها تحولت الى أرقام وهمية.
وفي خريف 2021، تزايد حجم الخسائر، وتراجعت قيمة الودائع إلى أقل من 20 مليار دولار. واعتبر “البنك الدولي” الانهيار الاقتصادي في لبنان، الأسوأ في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وأطلقت صحيفة “لوموند” الفرنسية على ما جرى اسم “سرقة القرن”.
تهريب ممنهج
وتؤكد التقارير، أن من الأسباب الرئيسية لانحسار ودائع اللبنانيين في المصارف، تهريب 6.5 مليار دولار خارج لبنان، وعقب اندلاع احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) 2019، حول 31 مصرفاً في لبنان إلى الخارج نحو 160 مليون دولار من حسابات أشخاص نافذين سياسياً.
في يونيو (حزيران) 2021، أعلن المصرف المركزي السويسري، أن ودائع اللبنانيين ازدادت في سويسرا بأكثر من 2.7 مليار دولار في 2020 وحده.
جمعية المودعين في لبنان، حذرت المصارف بدورها من “الاستمرار بحجز أموال وجنى عمر اللبنانيين، مشيرة إلى أن “المصارف تُتاجر بمنصة صيرفة”، لافتة إلى أن “مدراء المصارف يستفيدون من صيرفة، ويجنون الأرباح”، مؤكدين “أننا لن نبقى مكتوفي الأيدي”.
سرقة
وأوجد مصرف لبنان في يونيو (حزيران) 2020 منصة صيرفة بهدف الحد من انهيار سعر صرف الليرة وتأمين الدولارات للتجار والمستوردين، للحدّ من ارتفاع أسعار السلع، وفقاً لسعر الصرف المعتمد في السوق السوداء.
لم تؤد المنصة لحلحلة أزمة الناس العاديين في لبنان، وبات المستفيد الاول منها التجار والصيارفة، فهم يقومون بشراء الدولارات على منصة صيرفة وبيعها على سعر السوق السوداء وزيادة عن ذلك بحجة حماية أنفسهم.
هادي جعفر أحد مؤسسي رابطة المودعين قال في أغسطس (آب) الماضي، إن الذي يحصل اليوم تتحمل مسؤوليته بالدرجة الأولى المصارف وبعض القضاة الذين لا يصدرون أحكاماً في القضايا المرفوعة أمامهم بعد عدم معالجة مسألة المودعين، جعل المحاكم اللبنانية والأجنبية السبيل الوحيد لمواجهة المصارف. وأشار هادي إلى أن الرابطة تسلك المسار القضائي في كل تحركاتها وقد رفعت لغاية اليوم 400 دعوى نيابة عن مودعين، أمام القضاء اللبناني، إضافة إلى دعويين امام القضاء السويسري واخرى في فرنسا.
“استيفاء الحق بالذات”
ويطرق اللبنانيون أبواب البنوك بالسلاح لانتزاع ودائعهم استناداً إلى عرف “استيفاء للحق بالذات” الذي هو مبدأ قانوني، مستندين إلى تعريف القانون اللبناني للجرم الذي من عناصره أن يكون المتهم صاحب الحق الذي يستوفيه وأن يستوفي هذا الحق بالذات، إذا كان في حيازة الغير، وعقوبة هذا الجرم هي الغرامة 200 ألف ليرة على الأكثر إذا كان الفعل مقتصراً على نزع مال في حيازة الغير أو استعمال العنف بالأشياء والإضرار بها. أما اذا كان الفعل الجرمي قد ارتكب بواسطة العنف على الأشخاص أو باللجوء إلى إكراه معنوي (كالتهديد بالضرب)، فتكون العقوبة هي الحبس 6 أشهر على الأكثر.