مع تقدم الجيش الإسرائيلي إلى قلب مدينة غزة ضمن العملية العسكرية “عربات جدعون 2”، أدركت حركة “حماس” أنها فقدت السيطرة على أكبر المجمعات الحضرية في القطاع، وأن استعادة الأراضي التي تسيطر عليها تل أبيب سيكون أمراً بالغ الصعوبة. هذه التطورات دفعت الحركة لإظهار مرونة غير مسبوقة، إذ أرسلت رسالة مباشرة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، طالبة فيها هدنة مؤقتة وفتح باب المفاوضات لإنهاء الحرب، وسط ترقب دولي وإقليمي لما ستسفر عنه هذه الخطوة.

خلفية الأحداث في غزة

قبل أسبوع، أعلنت إسرائيل انطلاق عملية “عربات جدعون 2”، مستهدفة احتلال مدينة غزة بالكامل. تحرك الجيش بسرعة باستخدام الدبابات والروبوتات المفخخة، وتمكن من التوغل في أكبر الأحياء الحضرية بفعالية عالية، ما أجبر السكان على النزوح نحو الجنوب وأفرغ المدينة جزئياً من سكانها. وبفقدان “حماس” للسيطرة على هذه المنطقة الحيوية، بدأت تل أبيب تنفيذ مخطط فصل شمال القطاع عن جنوبه، بينما روج وزير المالية الإسرائيلي تسلئيل سموتريتش لتولي تل أبيب مسؤولية المناطق التي احتُلت حديثاً.

فهمت “حماس” أن استمرار احتلال المدينة وفصلها عن الجنوب يعني فقدان السيطرة على أهم المجمعات الحضرية في القطاع لفترة طويلة، وأن العودة إليها لاحقاً ستكون صعبة حتى من خلال مفاوضات شاقة. لذلك، توجهت إلى ترمب برسالة مباشرة تطلب فيها هدنة مؤقتة.

مقترحات أميركية سابقة

سبق أن قدمت الولايات المتحدة عدة مقترحات لـ”حماس” قبل انطلاق العملية العسكرية الحالية، من بينها مقترح عبر المبعوث ستيف ويتكوف لوقف إطلاق النار مقابل الإفراج عن نصف المحتجزين الإسرائيليين، ومقترح آخر يتضمن إطلاق جميع الرهائن مقابل هدنة مؤقتة. أما المقترح الثالث، فكان مباشرة من ترمب ويشترط إطلاق جميع الرهائن وبدء مفاوضات إنهاء الحرب. رفضت “حماس” غالبية هذه المقترحات، بينما استهدفت إسرائيل وفد الحركة في الدوحة لمحاولة القضاء عليهم، لكنهم نجوا، وتعطلت المفاوضات.

مع تقدم الجيش الإسرائيلي في غزة، رأت “حماس” أن عليها إعادة النظر في موقفها، وقررت إرسال رسالة مباشرة لترمب تطلب فيها هدنة لمدة 60 يوماً مقابل الإفراج عن نصف الرهائن، على أن يكون الرئيس الأميركي ضامناً شخصياً لوقف إطلاق النار، والجلوس فوراً لإبرام محادثات لإنهاء الحرب.

 

الباحثة السياسية سندس منصور ترى أن مقترح “حماس” الجديد يشبه مزجاً للأفكار الأميركية السابقة، إذ يحتوي على عناصر هدنة 60 يوماً، إطلاق نصف المختطفين، وضمانات دولية لإنهاء القتال. وأضافت منصور أن الحركة بدأت تدرك أنها فقدت القدرة على السيطرة السياسية الكاملة في القطاع، وأن تجاهل المبادرات الأميركية السابقة كلفها أجزاء كبيرة من مدينة غزة.

إلى جانب ذلك، ترى منصور أن “حماس” قد تواجه صعوبة في تقديم تنازلات كبرى لإنهاء الحرب، في حين تواصل تل أبيب مخططها لاحتلال المدينة بالكامل، ما يزيد الشكوك حول إمكانية قبول أميركا وإسرائيل لمقترح الحركة.

المساعي الأميركية والعربية

في الوقت ذاته، تستمر المساعي الأميركية والعربية بعيداً عن “حماس”. حيث عقد ترمب اجتماعات مع قادة دول عربية لمناقشة مستقبل القطاع بعد الحرب، بما في ذلك احتمال إرسال قوات عربية لمساعدة انسحاب إسرائيل، وتوفير تمويل للمرحلة الانتقالية وإعادة الإعمار. كما تدرس واشنطن إمكانية إنشاء نظام حكم مؤقت في غزة بإشرافها المباشر، وهو ما يعكس غياب “حماس” عن أي مفاوضات حالية حول مستقبل القطاع.

هل هناك فرصة لعودة المفاوضات؟

رغم إرسال الحركة رسالتها، يرى محللون أن فرص التوصل لاتفاق وشيك ضعيفة، لا سيما مع استمرار القصف الإسرائيلي وتعزيزات مصرية على الحدود. رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكدت عدم وجود فرصة لوقف العمليات العسكرية في الوقت الحالي، فيما اعتبر الباحث السياسي عمر أبو عشيبة أن “حماس” تحاول كسب الوقت عبر هدنة مؤقتة لكنها تفتقد أوراق تفاوضية حقيقية سوى الرهائن، بينما إسرائيل واحتلالها للمجمع الحضري يطوي صفحة المفاوضات.

تأتي رسالة “حماس” لترمب كمحاولة للحفاظ على وجودها السياسي وتجنب تلاشي دورها، وفتح إمكانية التفاوض على الأقل مؤقتاً. ومع ذلك، تبقى التحديات كبيرة أمام أي اختراق تفاوضي، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية والمبادرات الأميركية والعربية التي تتجاهل الحركة الفلسطينية كطرف فعال في مستقبل غزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *