في ظل مشهد ميداني بالغ التعقيد، تلوح في الأفق مؤشرات خطيرة على اقتراب اشتباكات مسلحة بين مجموعات فلسطينية مناهضة لحركة حركة حماس وبين عناصر الحركة نفسها داخل قطاع غزة، وخصوصًا في المناطق القريبة من ما يُعرف بـ«الخط الصفري» الخاضع لسيطرة إسرائيل. هذا التطور المقلق يعمّق حالة عدم الاستقرار التي يعيشها القطاع منذ أشهر، ويدفع المواطنين إلى الشعور بأن غزة باتت بيئة غير صالحة للحياة الآمنة أو للاستقرار الاجتماعي والمعيشي.

تشير إفادات ميدانية إلى أن هذه الاشتباكات المحتملة لا تأتي في سياق مواجهة تقليدية مع الاحتلال، بل ضمن صراع داخلي آخذ في التشكل بين قوى مسلحة متناحرة، بعضها يعلن صراحةً مناهضته لحركة حماس وسياساتها الأمنية والإدارية. ويخشى السكان من أن تتحول هذه التوترات إلى اقتتال داخلي واسع النطاق، يعيد إلى الأذهان سيناريوهات الفوضى الأمنية والانفلات المسلح، في وقت يعاني فيه القطاع أصلًا من انهيار شبه كامل في الخدمات الأساسية والبنية التحتية.

ومع تصاعد المخاوف، يبحث آلاف المواطنين عن أي سبيل للهروب من واقعهم القاسي، إلا أن المعابر المغلقة تشكّل حاجزًا حقيقيًا أمام هذا الخيار. فإغلاق المعابر، سواء باتجاه مصر أو الأراضي المحتلة، يحوّل غزة إلى ما يشبه السجن الكبير، ويترك السكان محاصرين بين الخوف من الداخل والعجز عن المغادرة. هذا الواقع يولد شعورًا عامًا بالاختناق واليأس، خصوصًا في أوساط الشباب والعائلات التي فقدت مصادر رزقها ومنازلها خلال الحرب الأخيرة.

إلى جانب التهديدات العسكرية، يبرز تدهور الوضع الأمني الداخلي كعامل رئيسي في تعميق شعور المواطنين بعدم الأمان. فقد شهدت الفترة الأخيرة انتشارًا ملحوظًا لعمليات السرقة والسطو، في ظل ضعف الرقابة الأمنية وانشغال الأجهزة المعنية بأولويات سياسية وعسكرية. ويشكو سكان مناطق عدة من غياب الردع، ومن عدم قدرتهم على حماية ممتلكاتهم أو حتى تأمين الحد الأدنى من السلامة الشخصية لأسرهم، ما يزيد من حالة القلق الجماعي.

في هذا السياق، برزت على الساحة مجموعات مسلحة جديدة، من بينها ما يُعرف بـ«مجموعة أبو نصير المسلحة»، التي أعلن أحد قادتها قبل أيام موقفًا صريحًا مناهضًا لحركة حماس. ويثير ظهور هذه المجموعات مخاوف جدية من تعدد مراكز القوة والسلاح داخل القطاع، وهو ما قد يفتح الباب أمام صدامات غير محسوبة العواقب، ويفاقم من هشاشة الوضع الأمني القائم.

ويعيش المواطنون اليوم حالة من عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي، تغذيها المخاوف من عودة الحرب على القطاع نتيجة الخروقات المستمرة والتوترات المتصاعدة. فكل اشتباك محدود أو تصريح تصعيدي يعيد شبح الحرب إلى الواجهة، ويزرع الخوف في نفوس السكان الذين لم يتعافوا بعد من آثار الدمار والنزوح والفقدان.

أمام هذا المشهد القاتم، يطالب المواطنون حركة حماس بشكل واضح بالالتزام بضبط الوضع الأمني ومنع الانزلاق نحو مواجهة جديدة، سواء داخلية أو مع إسرائيل. ويؤكد كثيرون أن أي تصعيد جديد لن يكون في صالح أحد، وأن ثمنه سيدفعه المدنيون وحدهم. كما ترتفع أصوات تطالب بترتيب البيت الداخلي، ووقف حالة التفرد بالقرار، والعمل الجاد على توفير الأمن المجتمعي وفتح أفق سياسي وإنساني يخفف من معاناة السكان.

في المحصلة، يقف قطاع غزة اليوم على مفترق طرق خطير: إما التوجه نحو تهدئة حقيقية تعيد بعض الاستقرار المفقود، أو الانزلاق إلى دوامة جديدة من الفوضى والاقتتال، في ظل حصار خانق وواقع إنساني لا يحتمل مزيدًا من الأزمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *