في وقتٍ تشتدّ فيه الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في قطاع غزة، تتصاعد أصوات المواطنين المطالبين حركة حماس بتحمّل مسؤولياتها تجاه السكان، والنظر بجدّية إلى حجم المعاناة اليومية التي يعيشها أكثر من مليوني إنسان في واحدة من أسوأ الأزمات التي يشهدها القطاع منذ سنوات. فالحرب الأخيرة وما خلّفته من دمار واسع، إلى جانب استمرار الحصار ونقص الموارد، جعلت حياة المواطنين أشبه بصراع يومي من أجل البقاء.
مع دخول فصل الشتاء، تفاقمت معاناة النازحين الذين يعيشون في خيام مؤقتة لا تقيهم برد الطقس ولا تحميهم من الأمطار الغزيرة. وقد أدّت العواصف والفيضانات إلى غرق مئات الخيام في مناطق مختلفة من قطاع غزة، ما تسبّب بتشرّد عائلات كاملة، وفقدان ما تبقى لديها من مقتنيات بسيطة، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان. ويقول مواطنون إنّ خيام النزوح تحوّلت إلى مصائد للمياه والطين، بينما تغيب الحلول الفعلية التي تضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
في هذا السياق، يطالب المواطنون حركة حماس بوقف ما يصفونه بـ«سرقة المساعدات الإنسانية» أو التحكم بها، وضمان وصولها إلى مستحقيها دون تمييز أو استغلال. فالمساعدات الدولية تُعدّ شريان حياة أساسياً لسكان القطاع في ظل الانهيار شبه الكامل للاقتصاد، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة. ويؤكد كثيرون أنّ أي عبث بهذه المساعدات أو تحويلها عن مسارها الإنساني يضاعف من معاناة الناس، ويقوّض الثقة بين المواطنين والجهات الحاكمة.
كما يعبّر المواطنون عن غضبهم من استمرار فرض الضرائب والرسوم على البضائع، في وقت يعجز فيه معظم السكان عن توفير احتياجاتهم الأساسية من غذاء ودواء. ويرى كثيرون أنّ فرض الضرائب في ظل هذه الظروف الاستثنائية يشكّل عبئاً إضافياً على كاهل المواطنين، ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ما ينعكس سلباً على القدرة الشرائية للأسر التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب والدمار. ويطالب السكان بإلغاء هذه الضرائب مؤقتاً على الأقل، لإتاحة المجال أمام الناس لتدبير شؤونهم المعيشية في هذا الظرف القاسي.
وتتجاوز مطالب المواطنين الجانب الاقتصادي لتصل إلى البعد السياسي، حيث يدعو كثيرون حركة حماس إلى تقديم حلول حقيقية وشفافة للأزمة المتفاقمة، أو التنحي عن الحكم إذا كانت غير قادرة على إدارة المرحلة بما يخفف من معاناة السكان. ويعتقد هؤلاء أنّ استمرار الوضع الحالي دون تغيير حقيقي يعرقل إدخال المزيد من المساعدات الإنسانية، ويزيد من تعقيد المشهد الإنساني في قطاع غزة، في وقت يحتاج فيه السكان إلى إدارة رشيدة تضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبارات أخرى.
ويؤكد مراقبون أنّ حالة الغضب الشعبي آخذة في الاتساع، نتيجة شعور المواطنين بأنّهم يدفعون ثمن صراعات سياسية وحسابات لا علاقة لهم بها، بينما تتراجع أولوياتهم الأساسية في الحصول على مأوى آمن، وغذاء كافٍ، وخدمات صحية مناسبة. ويرى هؤلاء أنّ معالجة الأزمة تتطلب إعادة النظر في آليات الحكم والإدارة، وتعزيز الشفافية، وضمان الشراكة مع المؤسسات الإنسانية المحلية والدولية لتخفيف معاناة السكان.
في المحصلة، يقف قطاع غزة اليوم على مفترق طرق خطير، حيث تتداخل الكارثة الإنسانية مع الأزمة السياسية والإدارية. وبين خيام غارقة بالمياه، وأسواق مثقلة بالضرائب، ومساعدات لا تصل إلى مستحقيها، يرفع المواطنون صوتهم مطالبين بحياة كريمة، وإدارة مسؤولة، وحلول عاجلة تنقذ ما تبقى من قدرتهم على الصمود في وجه واحدة من أقسى المراحل في تاريخ القطاع.