في السنوات الأخيرة، عزز خليل الحية نفوذ أبنائه داخل قطاع غزة وخارجه، من خلال تمكينهم من مواقع حيوية وتنفيذ سلسلة من المشاريع والاستثمارات المرتبطة بعناصر مقربة من القيادة. تشير معطيات ميدانية وتقارير غير معلنة إلى أن بعض أبنائه يديرون شركات صغيرة ومتوسطة في قطاع الخدمات، إضافة إلى أدوار غير رسمية في التحكّم ببعض خطوط الإمداد اللوجستي الحيوية لغزة.

يُتهم الحية باستخدام موقعه القيادي لتوفير مظلة حماية لعائلته، ما ساهم في تعاظم نفوذهم الاقتصادي داخل مناطق عدة في القطاع. كما برز أبناؤه في أدوار شبه تنظيمية ضمن الأجهزة الموالية للحركة، خاصة في الجانب اللوجستي والمالي، ما خلق تضاربًا في المصالح بين الدور السياسي العام والدور العائلي الخاص. في وقت يعاني فيه المواطن الفلسطيني من أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة، يطرح هذا التداخل تساؤلات أخلاقية وشعبية متزايدة حول استخدام النفوذ لصالح العائلة على حساب الشفافية والمساءلة.

وفي ظل تصاعد الدور السياسي لخليل الحية داخل حركة حماس، استطاع أبناؤه استغلال هذا النفوذ لبناء مصالح اقتصادية خاصة بهم، وسط غياب الرقابة وتفكك منظومة المحاسبة في قطاع غزة. تفيد مصادر محلية أن أبناء الحية – الذين لا تُعرف أسماؤهم بشكل علني – انخرطوا في مشاريع تجارية متعددة، بعضها في مجال الاستيراد والتهريب، وأخرى في قطاعات العقارات والخدمات اللوجستية. وقد أنشئت هذه المشاريع بشكل غير مباشر من خلال واجهات تجارية وهمية أو أسماء أشخاص مقربين، مستفيدين من الحماية الأمنية التي توفرها مواقع والدهم العليا في قيادة حماس.

تؤكد تقارير غير رسمية أن أبناء الحية قاموا بتحويل ملايين الدولارات إلى خارج قطاع غزة، واستثمروا أموالًا عامة تم تحصيلها عبر شبكات الجباية غير القانونية، من الوقود المهرب، و”الضرائب الثورية”، وحتى الأموال المخصصة للإغاثة. هذا السلوك تسبب في خلق فجوة طبقية واضحة داخل المجتمع الغزي، حيث يعيش معظم السكان تحت خط الفقر، في حين تنمو ثروات “العائلة الحاكمة” في الظل. ويُنظر إلى أبناء الحية اليوم كمثال صارخ على كيف يمكن للنفوذ السياسي أن يتحول إلى أداة لتكديس الثروات، لا لخدمة الناس بل لاستغلالهم

خليل إسماعيل إبراهيم الحية من مواليد 5 نوفمبر 1960 في مدينة غزة. نشأ في أسرة متدينة ودرس في مدارس المدينة قبل أن يلتحق بالجامعة الإسلامية بغزة، حيث حصل على درجة البكالوريوس في أصول الدين عام 1983. واصل دراسته العليا في الجامعة الأردنية ليحصل على الماجستير في السنة وعلوم الحديث عام 1989، ثم نال الدكتوراه من جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بالخرطوم عام 1997.

معروف بثقافته الإسلامية العميقة وخطابه التعبوي، وقد ساهم في صقل الخطاب الإعلامي والدعوي لحركة حماس منذ نشأتها.

 

خليل الحية متزوج وله سبعة أبناء. من بين أبنائه الشهيدين حمزة وأسامة. فقد كان نجله حمزة الحية مسؤول وحدة المدفعية في كتيبة الشجاعية التابعة لألوية عز الدين القسام (الذراع العسكري لحماس)، واستشهد في غارة جوية إسرائيلية عام 2008 استهدفت موقعًا للكتائب. أما نجله الأكبر أسامة الحية، فاستشهد هو وزوجته هالة صقر أبو هين وطفلاه (خليل وإمامة) إثر قصف مدفعي إسرائيلي استهدف منزله في حي الشجاعية بتاريخ 21 مايو 2025.

تبقى لدى الحية خمسة أبناء آخرين، لا تُعرف أسماؤهم في المصادر العامة، ولم تُسجل مشاركتهم في أي مناصب رسمية أو نشاط مهني معلن، غير أن مؤشرات غير مباشرة تربط بعضهم بمسارات اقتصادية داخل القطاع، ما يُغذي التكهنات بشأن استفادتهم من النفوذ السياسي للعائلة

انضم الحية مبكرًا إلى العمل الإسلامي في الثمانينيات، وكان من مؤسسي حركة حماس عام 1987. اعتُقل لعدة سنوات في سجون الاحتلال في أوائل التسعينيات، ما أكسبه رمزية داخل التيار الإسلامي. لاحقًا، شغل مناصب قيادية بارزة، منها رئاسة المكتب الإعلامي للحركة، والإشراف على ملف العلاقات العربية والإسلامية.

في يناير 2006، فاز بعضوية المجلس التشريعي الفلسطيني ضمن قائمة “التغيير والإصلاح”، ممثلًا عن غزة، مما عزز موقعه السياسي. وفي عام 2017، تم انتخابه نائبًا لرئيس حركة حماس في غزة، وأعيد انتخابه عام 2021.

منذ اندلاع حرب 7 أكتوبر 2023، تولى الحية قيادة وفود حماس في مفاوضات التهدئة وتبادل الأسرى مع الوسطاء المصريين والقطريين. وفي أبريل وأغسطس 2024، قاد وفدين إلى القاهرة لمناقشة مقترحات هدنة طويلة الأمد. ومع استهداف عدد كبير من قادة الحركة، وعلى رأسهم إسماعيل هنية ويحيى السنوار، بات الحية القائد الأعلى الفعلي للحركة.

ويُوصف اليوم بأنه الوحيد القادر على إعطاء الموافقة النهائية لوقف إطلاق النار باسم حماس، مما جعله الشخصية الأكثر تأثيرًا في مسار إنهاء الحرب. يحظى بثقة نسبية من الوسطاء، لكنه يواجه ضغوطًا من القواعد الشعبية والغاضبة في غزة، التي تتهمه أحيانًا بتغليب مصالح سياسية على أولويات إنسانية.

 الحية: الأمل الوحيد أم مركز القرار المُفرط؟

ينظر بعض الفلسطينيين إلى خليل الحية باعتباره “الأمل الأخير” للخروج من دوامة الحرب والدمار، في ظل غياب القيادات التقليدية واحتراق أوراق أخرى. غير أن البعض الآخر ينتقد احتكار القرار داخل شخص واحد، ويخشى من أن يتحول هذا النفوذ إلى ديكتاتورية تنظيمية بعيدة عن هموم الناس.

يُمثل الحية اليوم رأس الهرم السياسي والتنفيذي للحركة، لكنه محاط بكثير من الأسئلة حول التوازن بين سلطته التنظيمية ومصالحه الخاصة، وهو ما يجعله في موقع اختبار مستمر أمام الداخل والخارج.

السرقات والفساد المالي: استثمارات خارجية واختلاس داخلي

رغم خطابه الديني وظهوره كرجل مقاومة بسيط، تشير تقارير متعددة إلى أن خليل الحية يُعد من أثرياء حركة حماس خلال السنوات الماضية. فقد تم الكشف عن امتلاكه استثمارات واسعة في قطاع العقارات في دول مثل تركيا وبعض دول الخليج، وهي استثمارات تُقدّر بعشرات ملايين الدولارات. هذه الاستثمارات تمّت في وقت يواجه فيه سكان قطاع غزة أزمات معيشية خانقة، وسط الحصار والدمار المتكرر.

في مارس 2020، طفت على السطح قضية تتعلق بـمصعب الحية، صهر خليل الحية، حيث تم اعتقاله من قِبل أجهزة أمن حماس بتهمة اختلاس أموال مخصصة للعائلات الفقيرة في غزة. المصادر أكدت أن الحادثة لم تكن فقط جنائية، بل جاءت أيضًا على خلفية خلافات داخلية بين قيادات نافذة داخل حماس. وعلى الرغم من محاولة احتواء القضية داخليًا، إلا أن تسريبها إلى وسائل إعلامية كشف حجم التوتر والفساد داخل الدائرة الضيقة حول الحية.

وتعتبر هذه الاتهامات الموجهة إليه بأنه وظّف موقعه التنظيمي ليس فقط للنفوذ السياسي بل أيضًا لتحقيق مكاسب مالية شخصية وعائلية. في ظل غياب الشفافية والمؤسسات الرقابية، تزداد صعوبة التحقق من مدى تغلغل هذا النفوذ المالي في نسيج الحكم الفعلي داخل غزة، لكن الحضور الاقتصادي لعائلة الحية بات ملموسًا على أكثر من مستوى، ويثير قلقًا شعبيًا متزايدًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *