مع اقتراب شهر رمضان المبارك، وفي وقتٍ يرزح فيه قطاع غزة تحت وطأة أوضاع إنسانية واقتصادية غير مسبوقة، تتواصل الانتهاكات الداخلية بحق المعارضين السياسيين، وسط تصاعد ملحوظ في الإجراءات الأمنية التي تنفذها الأجهزة التابعة لحركة حماس. وفي تطور عاجل، شنت أجهزة الحركة خلال الأيام الأخيرة حملة استدعاءات واسعة استهدفت كوادر من حركة فتح في شمال قطاع غزة، ما أثار موجة من القلق والاستياء في الأوساط السياسية والشعبية.
وبحسب مصادر محلية، فقد تلقى عدد من كوادر فتح، بينهم نشطاء ميدانيون وشخصيات تنظيمية معروفة، اتصالات واستدعاءات رسمية للمثول أمام الأجهزة الأمنية، دون توضيح أسباب قانونية واضحة، الأمر الذي اعتبرته جهات سياسية استمرارًا لسياسة التضييق على الحريات العامة وتكميم الأفواه، لا سيما في ظل حالة الاحتقان الشعبي المتزايدة.
وتأتي هذه الحملة في وقت حساس، حيث يستعد الفلسطينيون لاستقبال شهر رمضان وسط ظروف معيشية قاسية، نتيجة استمرار الحرب وتداعياتها، والانهيار شبه الكامل في البنية التحتية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، إضافة إلى شح المواد الغذائية والخدمات الأساسية. ويأمل المواطنون عادة أن يشكل شهر رمضان مناسبة للتهدئة الاجتماعية والتكافل، إلا أن هذه الإجراءات الأمنية تلقي بظلالها على الأجواء العامة.
ويرى مراقبون أن هذه الاستدعاءات تحمل أبعادًا سياسية واضحة، في ظل تصاعد الانتقادات الشعبية لأداء حكومة الأمر الواقع في غزة، وتزايد الأصوات المطالبة بإصلاحات داخلية، وتحسين إدارة الملف الإنساني. ويؤكد هؤلاء أن اللجوء إلى القبضة الأمنية يعكس حالة من القلق لدى الحركة من أي نشاط سياسي أو تنظيمي قد يُفسَّر على أنه تهديد لنفوذها، خصوصًا في شمال القطاع الذي يشهد كثافة سكانية عالية وتضررًا واسعًا من العمليات العسكرية.
من جهتها، اعتبرت أوساط في حركة فتح أن ما يجري يمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، وتعديًا على الحريات السياسية التي كفلها القانون الأساسي الفلسطيني. وأكدت أن استدعاء الكوادر في هذا التوقيت بالذات يفاقم حالة الانقسام الداخلي، ويعمّق الشرخ المجتمعي، بدلًا من توحيد الصفوف في مواجهة التحديات الكبرى التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
كما حذرت مؤسسات حقوقية محلية من خطورة استمرار هذه الممارسات، معتبرة أن الاستدعاءات التعسفية، وما قد يتبعها من احتجاز أو تحقيق مطول، تشكل ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا على المستهدفين وعائلاتهم، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة. ودعت هذه المؤسسات إلى احترام سيادة القانون، ووقف أي ممارسات من شأنها تقويض السلم الأهلي.
وفي الشارع الغزي، عبّر مواطنون عن خشيتهم من أن تؤدي هذه الحملات إلى مزيد من التوتر الداخلي، في وقت يحتاج فيه المجتمع إلى التهدئة والتضامن. وقال عدد منهم إن الأولوية يجب أن تكون لتخفيف معاناة الناس، وضمان وصول المساعدات، وتحسين الخدمات، لا الانشغال بالصراعات السياسية الداخلية.
ومع اقتراب شهر رمضان، تتزايد الدعوات من شخصيات وطنية واجتماعية إلى تحييد الخلافات السياسية، ووقف كل أشكال الملاحقة والاستدعاءات، وتهيئة أجواء من الهدوء تُمكّن الفلسطينيين في غزة من تجاوز هذه المرحلة الصعبة بأقل الخسائر الممكنة. ويبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه النداءات ستلقى آذانًا صاغية، أم أن سياسة القبضة الأمنية ستظل حاضرة، حتى في أكثر الأشهر قدسية وحساسية.