بعد مقتل يحيى السنوار، أحد أبرز قادة حركة حماس، تشهد الحركة حالة من الغموض حول هوية الشخصية التي ستقود المرحلة المقبلة في قطاع غزة، وسط انقسام داخلي وتراجع واضح في البنية التنظيمية للحركة. وبين الأسماء المطروحة داخل أروقة الحركة، يبرز اسم توفيق أبو نعيم كأحد أبرز المرشحين لتولي زمام القيادة السياسية والأمنية في غزة، في مرحلة توصف بأنها الأصعب في تاريخ الحركة.
توفيق أبو نعيم، البالغ من العمر 63 عامًا، وُلد في مخيم البريج وسط قطاع غزة، ونشأ في بيئة فقيرة داخل المخيمات، ما جعله قريبًا من التيارات الإسلامية منذ شبابه المبكر. التحق بالجامعة الإسلامية في غزة، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الشريعة الإسلامية، ثم واصل دراسته لاحقًا حتى نال درجة الدكتوراه. خلال تلك الفترة، كان من أبرز تلاميذ الشيخ أحمد ياسين، المؤسس الروحي لحركة حماس.
في عام 1983، انضم أبو نعيم إلى الخلية المحلية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، والتي تحولت لاحقًا إلى البنية الأولى لحركة حماس. وخلال سنوات عمله التنظيمي، ارتبط اسمه بجهاز “المجد”، الذي كان مكلفًا بمتابعة المتعاونين مع إسرائيل واغتيالهم. هذا الجهاز شكّل النواة الأولى للجناح الأمني داخل الحركة، وضم أسماء بارزة مثل يحيى السنوار وروحي مشتهى، الذين أصبحوا لاحقًا من أركان القيادة العسكرية والسياسية في حماس.
في عام 1989، اعتقل الجيش الإسرائيلي أبو نعيم، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، حيث قضى أكثر من عقدين داخل السجون الإسرائيلية. وخلال فترة اعتقاله، تعلم اللغة العبرية وأقام شبكة علاقات داخل صفوف الأسرى الفلسطينيين. أُفرج عنه عام 2011 ضمن صفقة جلعاد شاليط التي شملت مئات الأسرى الفلسطينيين مقابل الجندي الإسرائيلي الأسير في غزة.
بعد إطلاق سراحه، عاد أبو نعيم إلى غزة وتولّى عددًا من المناصب داخل حكومة حماس، كان أبرزها إدارة ملف عائلات القتلى والأسرى، ثم تكليفه بمهام تتعلق بالتنسيق مع التنظيمات الفلسطينية الأخرى. كما أشرف على استقبال الفلسطينيين القادمين من سوريا بعد اندلاع الحرب الأهلية هناك، وتم دمج بعضهم في الأجنحة العسكرية التابعة للحركة.
وفي عام 2015، عُيّن مسؤولًا عن الأجهزة الأمنية التابعة لحماس، حيث أشرف على وحدات الاستخبارات الداخلية ومكافحة الاختراق الإسرائيلي. واعتُبر آنذاك أحد أكثر الشخصيات نفوذًا في الجهاز الأمني للحركة، خاصة بعد أن وسّع صلاحياته لتشمل متابعة المعارضين الداخليين والنشطاء المدنيين. ويُتهم جهازه بالمسؤولية عن قمع الاحتجاجات السياسية، واستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين في غزة، بالإضافة إلى تحييد الجماعات المتأثرة بتنظيم داعش التي حاولت الظهور في القطاع.
ومع مرور السنوات، أصبح أبو نعيم أحد أعمدة “الدولة الأمنية” التي أقامتها حماس داخل غزة، مستفيدًا من تجربته الطويلة في العمل التنظيمي والاستخباري. وبعد مقتل السنوار وعدد كبير من قادة الصف الأول خلال الحرب الأخيرة، برزت الحاجة داخل الحركة إلى شخصية تمتلك مزيجًا من الخبرة الأمنية والسياسية.
يرى مراقبون أن توفيق أبو نعيم يمتلك مؤهلات تضعه في مقدمة المرشحين لقيادة المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل انحسار الخيارات داخل الحركة. فالكثير من أعضاء المكتب السياسي قتلوا أو يعيشون في المنفى، بينما يعاني كبار القادة مثل محمود الزهار من التقدم في السن. هذه الظروف فتحت الباب أمام صعود شخصيات جديدة أكثر ارتباطًا بالأجهزة الأمنية، وأقل ميلاً للعمل السياسي الخارجي.
ويُعتقد أن أبو نعيم سيكون من الشخصيات التي ستشارك في رسم ملامح ما بعد الحرب في غزة، سواء من خلال توليه دورًا قياديًا مباشرًا، أو من وراء الكواليس عبر شبكة النفوذ التي بناها خلال سنوات خدمته في الجهاز الأمني.
وبحسب تقديرات ميدانية، فإن الأجهزة التي أشرف عليها أبو نعيم ما زالت فاعلة في القطاع، وقد تطورت لتصبح أدوات رقابة صارمة على السكان. كما تشير مصادر ميدانية إلى أن هذه الأجهزة تنظم محاكمات صورية وملاحقات أمنية ضد من يُشتبه بتعاونهم مع إسرائيل، أو حتى ضد المنتقدين لسياسات الحركة، في مسعى لفرض الانضباط والسيطرة الكاملة على المجتمع الغزي.
في ضوء ذلك، يبدو أن مرحلة ما بعد السنوار ستشهد حضورًا متزايدًا لتوفيق أبو نعيم، سواء كقائد علني أو كمهندس خفي للنظام الأمني والسياسي الذي تحاول حماس إعادة تشكيله في غزة.