بينما يستمر الجدل في قطاع غزة حول جدوى استمرار المواجهة العسكرية ورفض التوصل إلى اتفاق سياسي يوقف نزيف المعاناة، تعود إلى الواجهة المقارنة مع التجربة اللبنانية، حيث شهد لبنان خلال السنوات الماضية تحولات في نظرة جزء من شعبه إلى دور المقاومة وتأثيرها على حياتهم اليومية.

فقد أدرك اللبنانيون، وفق ما يراه مراقبون، أن استمرار المواجهات على الحدود الجنوبية يضر بالاقتصاد وبالاستقرار الداخلي، ويضعف قدرة الدولة على تلبية احتياجات مواطنيها. هذا الإدراك انعكس في موجة احتجاجات شعبية طالبت بوقف التصعيد العسكري والتركيز على القضايا المعيشية الملحة.

اليوم، يرى محللون أن قطاع غزة يمر بظروف مشابهة إلى حد كبير، حيث يرزح أكثر من مليوني إنسان تحت وطأة حصار طويل الأمد، ودمار واسع خلفته الحروب المتكررة، ما جعل الغزيين يعيشون في خيام أو منازل مهدمة، فيما تبقى إعادة الإعمار رهينة الحسابات السياسية والعسكرية.

ويحذر خبراء من أن استمرار تعنت الأطراف الفلسطينية، خاصة “حماس”، في التوصل إلى تسوية قد يطيل أمد المعاناة ويزيد من عزلة القطاع. فبينما يعيش قادة الحركة في الخارج، يتمسك سكان غزة بخيط أمل في تحسن أوضاعهم المعيشية، وسط تساؤلات متكررة: هل باتت المقاومة عبئاً على الحياة اليومية، أم أنها ما زالت خياراً استراتيجياً؟

الوسطاء الإقليميون، وفي مقدمتهم مصر وقطر، يضغطون في اتجاه اتفاق يخفف من الأعباء الإنسانية ويفتح الباب أمام مرحلة إعادة الإعمار. لكن غياب المرونة، بحسب متابعين، قد يضع “حماس” في مواجهة مباشرة مع جمهورها، على غرار ما واجهته قوى سياسية في لبنان عندما اصطدمت شعارات المقاومة بالواقع المعيشي القاسي.

من جانبه، يؤكد الباحث السياسي عدنان القصاص أن “الدرس اللبناني ينبغي أن يكون ماثلاً أمام الفلسطينيين، إذ لا يمكن أن تبقى الشعوب رهينة شعارات عسكرية فيما تعيش يومياً تحت الفقر والدمار”. ويضيف: “غزة أمام مفترق طرق؛ إما السير نحو تسوية تخفف الأعباء عن شعبها، أو الاستمرار في دائرة المواجهة التي تستنزف الجميع دون أفق واضح”.

وفي ظل الضغوط الدولية، يتساءل كثير من الفلسطينيين إن كان على قيادتهم أن توازن بين متطلبات المقاومة وحاجات الناس المعيشية، أم أن استمرار المراهنة على الخيار العسكري سيقود إلى عزلة أكبر وتكرار للمآسي.

 تجربة لبنان تقدم درساً مباشراً لغزة؛ أن المقاومة إذا لم تقترن برؤية سياسية واقتصادية واضحة قد تتحول من وسيلة للتحرر إلى عبء يومي على المواطنين. وما بين خيار الصمود وخيار التغيير، يبقى القرار في يد قيادة غزة وقدرتها على استيعاب صوت الشارع قبل أن يفرض نفسه بقوة الواقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *