غزة – في مشهد يعكس حجم المأساة والخذلان، شهدت منطقتا الشجاعية شرق مدينة غزة والعطاطرة شمال القطاع اليومين الماضيين حادثتين داميتين بعد عودة عشرات المواطنين إلى منازلهم، استنادًا إلى إشاعات تفيد بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من تلك المناطق. لكن ما إن وطأت أقدامهم أطراف الأحياء المدمرة، حتى واجهوا وابلًا من نيران القناصة والدبابات، ما أدى إلى استشهاد وإصابة عدد كبير من المدنيين، بينهم نساء وأطفال.

ووفق روايات شهود عيان، فقد بدأت الإشاعة تنتشر بين النازحين مساء الثلاثاء، متحدثة عن انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية من حي الشجاعية ومنطقة العطاطرة، الأمر الذي دفع العديد من المواطنين، بدافع الشوق لأرضهم أو بحثًا عن متعلقاتهم، إلى العودة مشيًا على الأقدام أو عبر عربات بدائية. ومع عدم وجود إعلان رسمي يؤكد الانسحاب أو ينفيه، قرر بعض السكان المغامرة.

لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا. فقد أطلق جنود الاحتلال النار مباشرة على المواطنين العائدين في العطاطرة، ما أدى إلى استشهاد خمسة مدنيين على الأقل، وإصابة أكثر من عشرة آخرين بجراح، بعضهم في حالة حرجة. وفي الشجاعية، تكررت المشهدية الدامية، حيث أفادت مصادر محلية أن القناصة المتمركزين على أسطح المباني أطلقوا النار على كل من اقترب من المنطقة، ما تسبب في مجزرة أخرى راح ضحيتها عائلات بأكملها.

وفي تسجيل صوتي لأحد المصابين من الشجاعية نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي، قال:

“سمعنا أن الجيش انسحب… فقلنا نرجع نطمئن على البيت، ما إن اقتربنا حتى أطلقوا النار من فوق البنايات. سقط أخي أمامي، لم أستطع حتى سحبه.”

وزارة الصحة الفلسطينية أكدت من جانبها وقوع عشرات الإصابات نتيجة إطلاق نار مباشر على المدنيين العائدين دون إنذار أو تحذير، محمّلة الاحتلال الإسرائيلي كامل المسؤولية عن “استهداف المدنيين العزل بطريقة متعمدة”.

من جانبها، قالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين إن ما حدث هو جريمة جديدة تضاف إلى سلسلة الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني، مطالبة بتدخل دولي عاجل لحماية المدنيين ومنع تكرار هذه المجازر تحت غطاء الحرب.

في المقابل، لم يصدر أي تعليق رسمي من الجانب الإسرائيلي بشأن الحادثتين، فيما اكتفت بعض وسائل الإعلام العبرية بالإشارة إلى أن “الجيش لا يسمح بعودة المدنيين إلى المناطق المصنفة كمناطق عمليات”، في إشارة إلى استمرار الوجود العسكري.

يأتي هذا التصعيد في وقت يعيش فيه سكان غزة واحدة من أسوأ مراحل النزوح والجوع وفقدان الأمن، وسط انهيار شبه تام للبنية التحتية وانعدام المعلومات الدقيقة بسبب انقطاع الاتصال وضعف التغطية الإعلامية من المناطق الساخنة.

الناجون من المجزرتين وجّهوا نداءً عاجلًا إلى المؤسسات الحقوقية والإنسانية بضرورة إعلان هذه المناطق مناطق آمنة مؤقتًا أو تنظيم ممرات إنسانية حقيقية تتيح للمدنيين الوصول إلى بيوتهم أو استعادة جثث ذويهم دون تعرّضهم للقتل المباشر.

في ظل استمرار هذه الجرائم، يتزايد الشعور بين أهالي غزة بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة آلة الحرب، وسط صمت دولي مريب، وإشاعات قاتلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *