شهدت الأيام الأخيرة حملة اعتقالات جديدة نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، طالت عددًا من الأسرى المحررين، بينهم أسيرات محررات، ممن جرى الإفراج عنهم ضمن صفقة التبادل الأخيرة التي رعتها أطراف دولية في أعقاب العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة.
ووفقًا لشهادات ذوي المعتقلين، فإن سلطات الاحتلال أعادت اعتقال هؤلاء الأسرى دون أي مبررات قانونية واضحة، مكتفية بالادعاء بأنهم “خرقوا شروط الإفراج عنهم”. لكن العائلات تنفي هذه المزاعم جملة وتفصيلًا، وتؤكد أن أبناءهم لم ينخرطوا في أي نشاط عسكري أو تنظيميمنذ لحظة الإفراج، وأن أقصى ما قاموا به هو التعبير عن آرائهم السياسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتقول عائلات الأسرى إن هذه الاعتقالات تمثل تنصلًا واضحًا من الالتزامات الإسرائيلية، وانتهاكًا فاضحًا لشروط الصفقة التي تمت بوساطات دولية، وتُظهر أن إسرائيل لا تلتزم بأي اتفاقيات، حتى تلك التي تحظى برقابة ومتابعة دولية.
إحدى العائلات أفادت أن نجلها “خرج من المعتقل بعد سنوات طويلة، وكان يعيش حياة طبيعية، لم يتجاوز القانون، وكل ما فعله هو كتابة منشورات على فيسبوك ينتقد فيها الاحتلال. فهل أصبحت حرية الرأي تُواجه بالسجن؟”.
وتضيف العائلات أن الرسالة التي ترسلها إسرائيل من خلال هذه الاعتقالات هي أن لا قيمة لأي اتفاق أو صفقة، وأن “الاحتلال مستعد لنقض كل الالتزامات متى شاء، دون رادع قانوني أو دولي”.
وفي ظل هذه الحملة، عبّر الشارع الفلسطيني عن حالة من الغضب والاحتقان، خاصة في الضفة الغربية، حيث يتهم كثيرون السلطة الفلسطينية بعدم التحرك الجاد أو القيام بدور فعّال في حماية المحررين من الملاحقة الإسرائيلية.
ويقول حقوقيون إن الاعتقال داخل مقرات السلطة الفلسطينية لم يعد يُشكّل ضمانة أمنية أو سياسية، حيث سُجّلت في الأشهر الماضية حالات اعتقال داخلية لأسرى محررين، أو استدعاءات أمنية بحق نشطاء، بحجج متعلقة “بالسلم الأهلي” أو “التحريض السياسي”، ما فاقم الشعور بانعدام الحماية القانونية للفلسطيني حتى في مناطقه.
ويُحذّر مراقبون من أن هذه التطورات قد تؤدي إلى زعزعة ثقة الجمهور الفلسطيني بجدوى أي اتفاقات مستقبلية، سواء كانت تفاوضية أو تبادلية، خاصة إذا كانت بلا ضمانات حقيقية تُجبر الاحتلال على الالتزام بها.
ويقول محللون إن هذا النمط من الاعتقالات يأتي ضمن استراتيجية إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى تفريغ صفقات التبادل من بعدها السياسي والإنساني، وتحويلها إلى أدوات ضغط، بدلًا من أن تكون خطوات نحو بناء الثقة وإنهاء معاناة الأسرى.
من جهة أخرى، تواصل مؤسسات حقوق الإنسان توثيق الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسرى المحررين، وتطالب الجهات الدولية بالتدخل الفوري لوقف الاعتقالات التعسفية، وضمان احترام بنود الاتفاقات التي جرى التوصل إليها بوساطة أطراف دولية.
تجدر الإشارة إلى أن صفقة التبادل الأخيرة، والتي أُبرمت في ظل ظروف إنسانية وأمنية معقّدة، كانت قد أعادت الأمل لعائلات الأسرى، إلا أن الممارسات الإسرائيلية الراهنة تُهدد بانهيار كل ما تم التوصل إليه، وتفتح الباب أمام تصعيد جديد في الساحة الفلسطينية، سواء على الصعيد الميداني أو السياسي.
وفي ظل غياب رد رسمي من الجهات الإسرائيلية، والتزام السلطة الفلسطينية بالصمت، تتعاظم المخاوف من تكرار سيناريو الاعتقال السياسي، وسط دعوات شعبية وفصائلية لتوفير حماية وطنية حقيقية للأسرى المحررين، وعدم تركهم فريسة سهلة للملاحقة والاعتقال مجددًا.