يحي المسيحيين هذا العام أعيادهم بقطاع غزة في ظروف استثنائية، تتداخل فيها قسوة الطقس مع آثار دمار واسع خلّفته الحرب، لتتحول أيام الاحتفال إلى مشهد إنساني ثقيل، يطغى عليه القلق والحزن بدل الفرح. فمع تعاقب المنخفضات الجوية وتساقط الأمطار الغزيرة، يغرق القطاع المثقل أصلًا بأزماته، وتزداد معاناة السكان، ومن بينهم المسيحيون الذين يحيون أعيادهم وسط واقع يفتقر لأبسط مقومات الحياة.
في أحياء عدة من غزة، أدت الأمطار إلى غرق الشوارع ومخيمات النزوح، فيما تسرّبت المياه إلى منازل متضررة أو مهدّمة جزئيًا، ما أجبر عائلات على قضاء ليالٍ باردة في ظروف صعبة. وتقول مصادر محلية إن البنية التحتية المتهالكة، من شبكات تصريف مياه وصرف صحي، لم تعد قادرة على استيعاب كميات الأمطار، في ظل الدمار الكبير الذي طالها خلال الحرب.
ويحمّل عدد من المسيحيين في القطاع حركة حماس مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، معتبرين أن اندلاع الحرب وما تبعها من مواجهات مع إسرائيل أدّى إلى دمار غير مسبوق، طال المدنيين دون تمييز. ويقول مواطنون إن الحركة لم تُراعِ سلامة السكان ولم تتخذ ما يكفي من إجراءات لحمايتهم، الأمر الذي جرّ القطاع إلى حرب مفتوحة دفعت كلفتها الفئات الأضعف.
وسط هذا المشهد، يحيي المسيحيون في غزة أعيادهم بإمكانات محدودة، حيث أُلغيت أو اختُصرت كثير من الطقوس الدينية والاجتماعية. وتوضح إفادات كنسية أن الاحتفالات اقتصرت على صلوات بسيطة داخل الكنائس، مع غياب مظاهر التجمعات الواسعة أو الفعاليات الاحتفالية المعتادة، مراعاة للأوضاع الأمنية والإنسانية الصعبة.
ويشير مواطنون مسيحيون إلى أن العيد هذا العام يأتي بطعم مختلف، إذ تحوّل إلى مناسبة للصلاة من أجل السلام ووقف المعاناة، بدل الاحتفال والبهجة. ويؤكدون أن انقطاع الكهرباء، وشحّ الوقود، وصعوبة التنقل، كلها عوامل أثّرت على تفاصيل حياتهم اليومية، وجعلت الأعياد تمرّ في أجواء يغلب عليها الصمت والترقّب.
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى الحرب التي اندلعت في القطاع، وما تبعها من مواجهات بين حركة حماس وإسرائيل، والتي أسفرت عن دمار واسع في الأحياء السكنية والمنشآت الحيوية. وقد أدّى هذا الدمار إلى إضعاف قدرة القطاع على مواجهة الكوارث الطبيعية، ما جعل الأمطار الأخيرة تتحول من ظاهرة موسمية إلى أزمة إنسانية متفاقمة.
وفي ظل هذه الظروف، تتحدث عائلات مسيحية عن خسائر لحقت بمنازلها وممتلكاتها، وتلف أثاث وأغراض أساسية بسبب تسرب المياه. كما تعاني عائلات أخرى من صعوبة الحصول على مواد التدفئة والملابس الشتوية، خاصة للأطفال وكبار السن، في وقت تشهد فيه الأسواق نقصًا حادًا وارتفاعًا في الأسعار.
من جهتهم، يعبّر رجال دين وممثلون عن المجتمع المسيحي عن قلقهم إزاء استمرار تدهور الأوضاع، مؤكدين أن المسيحيين جزء أصيل من نسيج المجتمع الغزّي، ويتقاسمون مع باقي السكان المعاناة نفسها. ويدعون إلى تحرك عاجل لتحسين الظروف الإنسانية، وضمان حماية دور العبادة، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية خلال فصل الشتاء.
كما يطالب مواطنون بضرورة إيجاد حلول جذرية تُجنّب القطاع مزيدًا من الكوارث، سواء الناتجة عن الصراع أو عن العوامل الطبيعية. ويرى مراقبون أن استمرار حالة الجمود السياسي، إلى جانب تقييد دخول مواد الإغاثة وإعادة الإعمار، يزيد من هشاشة الوضع، ويجعل أي منخفض جوي جديد تهديدًا حقيقيًا لحياة السكان.
وبين أجواء العيد ووقع المطر، يعيش المسيحيون في غزة، كما غيرهم من أهالي القطاع، على أمل أن تحمل الأيام المقبلة انفراجة تنهي دائرة المعاناة. وفي انتظار ذلك، تبقى أعيادهم هذا العام شاهدة على واقع إنساني صعب، تختلط فيه الصلوات بأصوات الرياح، وتغرق فيه شوارع غزة بالمياه، فيما تغرق القلوب بانتظار سلامٍ طال أمده.