يتصاعد الجدل في قطاع غزة حول مصير أموال التبرعات التي جُمعت باسم المتضررين من الحرب، في وقتٍ يتداول فيه ناشطون تصريحات منسوبة إلى منير البرش، وُصفت بأنها “صادمة ومستفزة”، بعد أن قيل إنه وصف نازحين ومواطنين تساءلوا عن مصير أموال التبرعات بأنهم “ذباب إلكتروني”. هذه التصريحات، التي لم يصدر نفي أو توضيح رسمي بشأنها حتى الآن، فجّرت موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، وفتحت ملفًا حساسًا يتعلق بالشفافية والمساءلة في إدارة الأموال الإغاثية.
الغضب الشعبي لا ينطلق، بحسب ناشطين، من خصومة سياسية أو حملات منظمة، بل من أسئلة يطرحها مواطنون شُرّدوا من بيوتهم، وقُصفت منازلهم، وجُمعت الأموال باسمهم وتحت عناوين إنسانية. ويؤكد هؤلاء أن من يطالب بالإجابات هم متضررون حقيقيون يعيشون في الخيام ومراكز الإيواء، وليسوا “حسابات وهمية” كما يُروَّج.
وبحسب ما يتداوله مواطنون من داخل القطاع، فإن التساؤلات لم تعد عامة أو عاطفية، بل باتت محددة وتتعلق بملفات واضحة، من بينها مصير أموال تبرعات جُمعت خلال الحرب الأخيرة، واتهامات بشراء عقارات ومنازل وأراضٍ خارج قطاع غزة في ذروة المأساة الإنسانية، إضافة إلى الدور الحقيقي لمؤسسات معروفة في القطاع، وعلى رأسها مؤسسة نماء، التي تتمتع بنفوذ واسع في العمل الإغاثي.
في جباليا البلد، يقول سكان إن هذه الأسماء والمؤسسات “ليست مجهولة لأحد”، ويتساءلون علنًا: لماذا يُعتبر السؤال عن المال خيانة؟ ولماذا يُقابل المواطن بالتخوين بدل تقديم كشوفات مالية أو توضيحات شفافة؟ ويضيف أحد الناشطين: “نحن لا نطالب بالمستحيل، بل نريد أن نعرف أين ذهبت الأموال التي جُمعت باسم أطفالنا وبيوتنا”.
ولا تتوقف التساؤلات عند حدود القطاع، إذ يطرح ناشطون أسئلة حول نشاطات عائلية وتجارية خارج غزة، وأدوار يُقال إنها تُدار من الخارج، دون أي توضيح للرأي العام الذي دفع ثمن الحرب والحصار والفقر. ويرى هؤلاء أن غياب الشفافية يفتح الباب أمام الشائعات، ويعمّق فجوة الثقة بين المجتمع والجهات المسيطرة.
كما أعاد ناشطون التذكير بحملة تبرعات أُعلن عنها قبل السابع من أكتوبر بالتعاون مع جهة كويتية، قيل إنها جمعت نحو 4.5 مليون دينار كويتي لبناء مستشفى في رفح. وحتى اليوم، بحسب المتسائلين، لا توجد إجابة واضحة حول مصير هذه الأموال أو ما الذي تحقق منها على أرض الواقع. ويُضاف إلى ذلك الحديث عن حملة أخرى، يُقال إن صالح الجعفراوي جمع خلالها ما يقارب 10.5 مليون دولار لصالح حملة مرتبطة بمنير البرش، وسط مطالبات بإجابات دقيقة وموثقة.
ولا يخلو النقاش من الإشارة إلى خلافات سابقة مع شخصيات معروفة في العمل الإنساني والإعلامي، حيث يتساءل ناشطون: لماذا لم تُكشف الحقائق في حينه؟ ولماذا يُهاجَم كل من يحاول فتح هذا الملف اليوم؟ ويرى هؤلاء أن سياسة التخوين والتشكيك في النوايا لم تعد قادرة على إسكات الشارع الغاضب.
في المقابل، يحمّل كثيرون حركة حركة حماس، بصفتها الجهة الحاكمة في غزة، مسؤولية سياسية وأخلاقية عن ضمان الشفافية والمحاسبة، مؤكدين أن إدارة ملف التبرعات دون رقابة مستقلة أو تقارير علنية يضر بالقضية الفلسطينية قبل أي شيء آخر.
ويختم ناشطون بالقول إن وصف الجوعى والنازحين بـ“الذباب الإلكتروني” لن يحجب الحقيقة، وإن الأيام، كما يرون، كفيلة بإسقاط الأقنعة وكشف مصير كل ملف بقي مغلقًا، مؤكدين أن السؤال عن المال العام ليس خيانة، بل حق مشروع في ظل مأساة غير مسبوقة.