في وقتٍ تتصاعد فيه معاناة سكان قطاع غزة، جاءت الأحوال الجوية القاسية لتضيف طبقة جديدة من الألم إلى واقعٍ مثقل أصلًا بتداعيات الحرب الإسرائيلية الأخيرة. منخفض جوي يضرب القطاع المنهك، أمطار غزيرة ورياح باردة، وبنية تحتية مدمّرة لا تقوى على الصمود، فيما يجد المواطن نفسه وحيدًا في مواجهة البرد والفقر وانعدام الأفق.
منذ انتهاء الحرب، لم تستعد غزة قدرتها على التقاط الأنفاس. أحياء كاملة ما تزال مدمّرة، آلاف العائلات تعيش في خيام مؤقتة أو منازل متضررة، وشبكات الصرف الصحي والكهرباء في حالة شلل شبه تام. ومع كل منخفض جوي، تتحول الخيام إلى مصائد للمياه، وتغرق الشوارع، وتتسرّب الأمطار إلى ما تبقى من بيوت، في مشهد يعكس هشاشة الواقع الإنساني في القطاع.
في هذا السياق، تتعالى أصوات المواطنين متسائلة عن مصير المساعدات الإنسانية التي يُفترض أن تخفف من وطأة هذه الظروف. فبحسب شهادات متطابقة من سكان في مناطق متفرقة من القطاع، فإن المساعدات لا تصل إلى مستحقيها بالشكل العادل، أو تصل منقوصة، أو تُحجب بالكامل عن بعض المناطق. هذه التساؤلات تحولت، مع مرور الوقت، إلى اتهامات مباشرة.
عدد من المواطنين يحمّل حركة حركة حماس مسؤولية ما يجري، متهمين مسؤولين محسوبين على الحركة، بعضهم يشغل مناصب قيادية في جهاز الشرطة الحاكمة في غزة، بالسيطرة على المساعدات وسرقتها أو توجيهها وفق اعتبارات فصائلية وتنظيمية. ويقول أحد المواطنين، مفضّلًا عدم ذكر اسمه خوفًا من الملاحقة: “نسمع عن شاحنات مساعدات تدخل، لكننا لا نرى منها شيئًا. من يملك الواسطة يحصل، ومن لا يملكها يواجه مصيره وحده”.
هذه الاتهامات، سواء ثبتت أو لا، تعكس حالة فقدان ثقة متزايدة بين الشارع والجهات الحاكمة. فالمواطن الذي فقد بيته أو مصدر رزقه خلال الحرب، لم يعد يحتمل مزيدًا من الغموض أو التبريرات. ما يريده الناس ببساطة هو آلية شفافة وعادلة لتوزيع المساعدات، بعيدًا عن المحسوبيات أو الاستغلال السياسي.
في المقابل، يرى مراقبون أن حالة الفوضى الإدارية والأمنية التي أعقبت الحرب، إلى جانب ضعف الرقابة وتعدد الجهات المتداخلة في ملف الإغاثة، أسهمت في تفاقم المشكلة. فغياب جهة مستقلة تشرف على توزيع المساعدات، واحتكار القرار من قبل سلطة الأمر الواقع، جعلا هذا الملف عرضة للتسييس وسوء الإدارة.
المنخفض الجوي الحالي ليس مجرد حالة طقس عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات القائمة في غزة على الاستجابة لحاجات الناس في لحظة حرجة. فكل ليلة باردة تمرّ دون تدفئة، وكل خيمة تغرق بالمياه، تعمّق شعور المواطنين بأنهم متروكون لمصيرهم، وأن معاناتهم باتت ورقة في صراع داخلي لا يقل قسوة عن العدوان الخارجي.
وسط هذا المشهد القاتم، يبقى السؤال الأبرز: إلى متى سيظل سكان غزة يدفعون ثمن الحرب وسوء الإدارة معًا؟ وإلى متى ستبقى المساعدات، التي يفترض أن تكون طوق نجاة، مصدرًا جديدًا للألم والانقسام؟ أسئلة تتكرر مع كل منخفض جوي، ومع كل يوم يمر دون إجابة واضحة.