بعد أكثر من أربعة أشهر من الحصار المشدد ومنع دخول الشاحنات التجارية، بدأت بعض البضائع تجد طريقها مجدداً إلى أسواق قطاع غزة عبر معبر رفح البري، في خطوة اعتبرها المواطنون بادرة إيجابية لكنها غير كافية لتخفيف حدة الأزمة المعيشية المتفاقمة منذ اندلاع الحرب.
عودة جزئية للتجارة
مصادر محلية أكدت أن السلطات المصرية سمحت خلال الأيام الماضية بمرور عدد من الشاحنات المحملة بمواد غذائية وسلع استهلاكية عبر معبر رفح، بعد موافقة إسرائيلية مشروطة. الشاحنات حملت بالأساس مواد أساسية مثل الطحين، الأرز، السكر، الزيوت، إضافة إلى بعض الخضروات والفواكه، بينما بقيت الأصناف الأخرى محدودة جداً.
رغم أن هذه الخطوة أسهمت في إدخال بضائع افتقدتها الأسواق خلال الأشهر الماضية، فإن حجم الكميات يبقى أقل بكثير من حاجة القطاع الذي يضم أكثر من مليوني نسمة، يعيشون في ظروف استثنائية قاسية.
ومع دخول هذه الشحنات، شهدت بعض الأسواق في غزة انتعاشاً نسبياً، حيث عادت رفوف المحال التجارية لتمتلئ بالسلع التي اختفت طويلاً. مواطنون عبّروا عن ارتياحهم لرؤية المواد الغذائية الأساسية متوفرة، معتبرين أن غيابها لعدة أشهر جعلهم يواجهون معاناة مضاعفة في تدبير احتياجات أسرهم.
أحد التجار أشار إلى أن الأسواق “بدأت تستعيد نبضها ولو جزئياً”، لكنه شدد على أن الوضع لا يزال بعيداً عن الاستقرار بسبب محدودية الكميات وغياب بضائع أخرى مهمة مثل اللحوم المجمّدة، الأدوية، ومواد التنظيف.
الأسعار المرتفعة تُثقل المواطنين
ورغم توفر بعض السلع، فإن الأسعار قفزت بشكل غير مسبوق، ما جعل كثيراً من الأسر عاجزة عن الشراء. فمثلاً، ارتفع سعر كيلو الأرز بنسبة تتجاوز ١٥٠٪ مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، كما شهدت أسعار الزيت والطحين قفزات كبيرة.
أبو محمود، رب أسرة نازحة من شمال غزة، قال: “نفرح حين نرى البضائع في الأسواق، لكننا نصدم بالأسعار. كل شيء متوفر لكننا لا نستطيع شراءه. الوضع أصعب من السابق”.
هذا الارتفاع يُعزى إلى عدة أسباب، منها محدودية الكميات، ارتفاع تكاليف النقل والتخزين، واحتكار بعض التجار الذين يسعون لتعويض خسائرهم.
اومع دخول البضائع٬ الأوضاع المعيشية الصعبة في غزة لم تتحسن كثيراً رغم دخول البضائع. آلاف الأسر لا تزال تعيش في مراكز الإيواء المزدحمة، وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة مثل الكهرباء والمياه النظيفة. ومعظم النازحين يعتمدون على المساعدات الإنسانية التي تصل بكميات محدودة عبر المعابر.
منظمات الإغاثة حذّرت من أن توفر البضائع في السوق لا يعني بالضرورة تحسناً في الوضع الإنساني، إذ إن ارتفاع الأسعار وغياب الدخل يجعل معظم السكان غير قادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية.ب
بينما تجار محليون أكدوا أن استمرار دخول الشاحنات بوتيرة منتظمة هو الشرط الأساسي لعودة الحياة الاقتصادية، لكنهم شددوا على ضرورة أن تكون الكميات كافية وأن تشمل كل أنواع السلع، بما في ذلك مواد البناء والأدوية.
اقتصاديون اعتبروا أن الخطوة الأخيرة تمثل “انفراجة جزئية”، لكنها لن تُحدث فرقاً حقيقياً ما لم تترافق مع رفع كامل للقيود وفتح جميع المعابر التجارية. كما دعوا إلى تدخل دولي لضمان تدفق البضائع بشكل مستدام، بعيداً عن المزاج السياسي والضغوط الأمنية.
وبالنسبة للمواطنين، يظل المشهد متناقضاً: الأسواق بدأت تستعيد ملامحها المعتادة بفضل دخول بعض البضائع، لكن جيوب الناس فارغة ولا تستطيع مجاراة الأسعار. هذا الواقع يجعل الكثيرين يصفون الخطوة بأنها “تحسن شكلي”، في حين أن المعاناة الحقيقية لا تزال قائمة.
أم أحمد، وهي أم لخمسة أطفال، عبّرت عن هذا التناقض بقولها: “نرى الخضار والفواكه أمامنا لكننا لا نستطيع شراء إلا القليل جداً. كيف نعيش بهذه الطريقة؟”.
في حين أن عودة البضائع إلى أسواق غزة بعد أشهر من المنع تعطي جرعة أمل، لكنها لا تكفي لتخفيف الأزمة العميقة التي يعيشها السكان. فارتفاع الأسعار، محدودية الكميات، واستمرار الحصار، تجعل حياة المواطنين أكثر صعوبة. وبينما يترقب الغزيون دخول المزيد من الشاحنات، يبقى الحل الجذري مرهوناً بإنهاء الحرب ورفع القيود بشكل كامل، حتى يعود القطاع إلى دورة الحياة الطبيعية.