أقل من 3 أشهر تفصل تونس عن انتخاب برلمان جديد بعد فترة استثنائية عاشتها البلاد من دون برلمان دامت حوالي سنة ونصف السنة.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2022، وهي الانتخابات الرابعة بعد العام 2011، أعلنت أحزاب عدة مقاطعتها لهذه المحطّة الانتخابية التي ستفرز برلمان ما بعد 25 يوليو (تموز) 2021، ضمن المسار الجديد الذي بدأه رئيس الجمهورية، قيس سعيد، وأقرّ بموجبه جملة إجراءات من بينها حلّ مجلس نواب الشعب، قبل انتهاء الفترة النيابية (2019-2024).
وفي حين ساندت بعض الأحزاب، مسار 25 يوليو، منذ الإعلان عن أهدافه، فإن أحزاباً أخرى اختلفت مع هذا الخيار، وأعلنت مقاطعة كل ما نتج عنه، من استشارة شعبية، واستفتاء على الدستور الجديد، وانتخابات تشريعية ستفرز برلمانا جديداً.
فكيف ستكون ملامح المشهد البرلماني الجديد في ظل تبني تلك الأحزاب خيار مقاطعة؟
يُجمِع المتابعون للشأن العام في تونس على أن البرلمان المقبل سيكون مختلفا كلياً عن البرلمانات السابقة التي عرفتها البلاد خلال تاريخها السياسي، حيث سيكون المجلس التشريعي الجديد إفرازاً لقانون انتخابي سيعتمد لأول مرة، التصويت للأفراد، بدل القائمات، وستغيب عن المنافسة على مقاعده، أغلب الأحزاب السياسية، بينما سيُفتح المجال أمام المنافسة بين الأفراد في مختلف الدوائر الانتخابية المحلية.
“برلمان مُفرغ من كل سلطة تعديلية ورقابية”
“جبهة الخلاص”، التي تضم أحزاب “حركة النهضة”، و”قلب تونس”، و”ائتلاف الكرامة”، و”حراك تونس الإرادة”، وحزب “حركة أمل”، أعلنت خلال مؤتمر صحافي، مقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة.
وقال أحمد نجيب الشابي، رئيس الجبهة، إن من بين أسباب المقاطعة “انفراد رئيس الجمهورية، قيس سعيد، بصياغة القانون الانتخابي”، مشيراً إلى أن “قرار إجراء الانتخابات البرلمانية، جاء في سياق انقلابي على الشرعية الدستورية”.
كما أعلنت تنسيقية الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية التي تضم “التيار الديمقراطي”، وحزب “التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات”، و”الحزب الجمهوري”، و”حزب العمّال”، و”حزب القطب الحداثي”، مقاطعتها الانتخابات التشريعية القادمة.
واعتبر الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، في تصريح ، أن “الدستور الجديد، والقانون الانتخابي، اللذان وضعهما رئيس الجمهورية، يُفرغان البرلمان من أي دور، باعتباره سلطة تعديلية للسلطة التنفيذية، وسلطة رقابية، وتشريعية فعلية، لأن النائب في البرلمان الجديد، هو نائب عن جهته، وسيكون له برنامج انتخابي محلي، وبالتالي سنكون أمام برلمان يضمّ 161 نائباً لا يجمع بينهم أي رابط ولن تكون هناك أغلبية، وأقلية، ولا كتل برلمانية”.
ورأى الشابي أن “البرلمان العتيد لن يكون له دور وطني، وسيكون برلمان المحليات، وهو شكل من أشكال البناء القاعدي الذي على أساسه بدأ قيس سعيد، مساره الجديد في تونس، لذلك أقصيت الأحزاب وألغي دورها في المشهد السياسي في تونس”.
وقال الشابي إن “قيس سعيد يريد أن يحكم بمفرده، وسيرسي برلماناً يكون بمثابة “رجع الصدى” لقراراته وتوجهاته”، مضيفاً أن “تونس مقبلة على انتخابات تشريعية، لا تحمل من هذه الصفة سوى الاسم، وستكون انتخابات بعيدة عن المعايير الدولية المعروفة، وتقاطعها أغلب الأحزاب في البلاد، وبالتالي سيكون البرلمان، وقيس سيعد، في عزلة عن الشعب التونسي، وعن أغلبية الطيف السياسي، وأيضاً في عزلة دولية”، على حد تعبيره.
وتابع أمين عام الحزب الجمهوري، “إن الرئيس أراد أن يكون البرلمان من دون معارضة، لأنه لم يترك أي مجال لوجودها فيه، والقانون الانتخابي تم تفصيله على المقاس، من أجل إقصاء التوجهات السياسية المخالفة، لأن قيس سعيد لا يؤمن بالحياة السياسية التعددية القائمة على الأحزاب”.
برلمان يخدم مصالح التونسيين
في المقابل، أكدت الأحزاب الدّاعمة لمسار 25 يوليو، على غرار “التيار الشعبي” و”حركة البعث” و”حركة الشعب” و”الائتلاف من أجل تونس” و”حراك 25 يوليو”، مشاركتها في الانتخابات التشريعية المقبلة.
واعتبر زهير المغزاوي الأمين العام لـ”حركة الشعب”، قرار المقاطعة الذي اتخذته أحزاباً عدة “خياراً يهمها لوحدها، وهي التي اختارت ذلك”، لافتاً إلى أن “عدداً من الأحزاب التي قاطعت الانتخابات، في أغلبها لم تكن موجودة في البرلمان السابق، وجزءاً آخر من تلك الأحزاب لم تكن موجودة في الواقع السياسي والشعبي أصلاً كحزب العمال والتكتل والجمهوري، ما عدا حركة النهضة”.
وأقرّ المغزاوي بأن “غياب أحزاب عدة سيؤثر في المشهد البرلماني، إلا أن هذا المسار يجب أن يستمرّ من أجل إنهاء المرحلة الاستثنائية”، مشيراً إلى أن “بعض الأحزاب لم تقدّم حلولاً واكتفت بالمعارضة ومقاطعة المسار الجديد”.
ورغم إقراره بوجود بعض المطبات في المسار الجديد، إلا أن المغزاوي شدد على أن “الأحزاب التي ستقاطع ستجد نفسها خارج المشهد السياسي”، متهماً حركة النهضة بأنها “تريد أن تبقى متصدرة لوحدها المشهد السياسي والبرلماني”.
ويعتقد الأمين العام لـ “حركة الشعب” أن “البرلمان المقبل سيتشكّل من نواب حقيقيين، ملتصقين بهموم التونسيين، وسيتمّ الفرز الحقيقي لطبقة سياسية جديدة، وسيضمّ معارضة تقوم بدورها لخدمة التونسيين، والقرار الأخير سيكون بيد الشعب التونسي”.
وشدّد المغزاوي على ضرورة القطع مع ما سمّاه “الفولكلور” الذي كانت تعيشه تونس في فترة ما قبل 25 يوليو (تموز) 2021، قائلاً “نريد برلماناً تمثيلياً يمثل الشعب التونسي ويخدم قضاياه الحقيقية، لتكون العملية السياسية لصالح الشعب التونسي، وليست لصالح المشتغلين في السياسة، وسيكون برلماناً مختلفاً عن البرلمانات السابقة من حيث التركيبة والنتائج”.
يذكر أن الدستور الجديد قلّص من الصلاحيات الواسعة التي كانت ممنوحة للبرلمان في دستور 2014، حيث أصبحت الحكومة مسؤولة أمام رئيس الجمهورية، بدَل البرلمان الذي لا يمكنه إقالة الحكومة أو حجب الثقة عنها، إلا بتأييد ثلثَي النواب، بينما كان ذلك يتم في السابق بتأييد نصف النواب زائد واحد.
وسينعكس حال الانقسام السياسي في تونس على البرلمان المقبل، الذي سيواجه معارضة من بعض الأحزاب والمبادرات المدنية، الرافضة لمسار قيس سعيد، بينما تعمل الأحزاب الداعمة للمسار الجديد، على رصّ الصفوف من أجل تشكيل جبهة وازنة داعمة للرئيس، من اجل استكمال المسار الجديد في البلاد.