لم تعد الحياة في قطاع غزة كما كانت، فحتى بعد هدوء أصوات القصف نسبياً، ما زالت مشاعر الخوف تسيطر على تفاصيل الحياة اليومية للسكان الذين يعيشون حالة من الترقب الدائم خشية عودة الحرب من جديد، في ظل تعثر المفاوضات واستمرار التهديدات الإسرائيلية بتجدد العمليات العسكرية.
في الأسواق والشوارع ومراكز الإيواء، يبدو القلق واضحاً على وجوه الأهالي، خصوصاً مع تزايد الأحاديث عن فشل المفاوضات وعدم التوصل إلى اتفاق يضمن استقرار الأوضاع داخل القطاع. كثير من العائلات التي فقدت منازلها أو اضطرت للنزوح خلال الحرب الأخيرة تخشى أن تعود مرة أخرى إلى دائرة الموت والتشريد.
ويقول سكان إن مجرد سماع أخبار عن توتر سياسي أو تعثر في المفاوضات كفيل بإعادة مشاهد الحرب إلى أذهانهم، خاصة لدى الأطفال الذين ما زالوا يعانون من آثار نفسية صعبة نتيجة ما عاشوه خلال الأشهر الماضية. بعض الأهالي يؤكدون أن أبناءهم يستيقظون ليلاً على أصوات وهمية تشبه القصف، بينما يعيش آخرون حالة من القلق المستمر كلما حلّ الليل أو سمعوا أصوات الطائرات.
الأوضاع الاقتصادية والمعيشية زادت من حجم التوتر داخل المجتمع الغزي، إذ تعاني آلاف الأسر من البطالة ونقص الغذاء وغياب مصادر الدخل، إضافة إلى الدمار الكبير الذي طال المنازل والبنية التحتية. هذه الظروف دفعت كثيراً من المواطنين للمطالبة بإنهاء حالة الانقسام والصراع السياسي بأي شكل يضمن لهم حياة أكثر استقراراً وأماناً.
وفي ظل هذه الأجواء، تتصاعد داخل القطاع أصوات شعبية تطالب حركة حماس بالتنحي عن إدارة غزة، معتبرة أن استمرار الخلافات السياسية والتعثر في الملفات التفاوضية يزيد من معاناة السكان ويجعلهم دائماً تحت تهديد الحرب. ويرى بعض المواطنين أن الأولوية اليوم يجب أن تكون لحماية المدنيين وتحسين الوضع الإنساني بعيداً عن الحسابات السياسية والعسكرية.
في المقابل، هناك من يرى أن الأزمة أكبر من أن تُحمّل لطرف واحد، مؤكدين أن سكان غزة أصبحوا عالقين بين ضغوط الحرب وتعقيدات السياسة، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من أمنهم واستقرارهم ومستقبل أبنائهم.
ومع استمرار حالة الغموض، يعيش سكان القطاع حالة نفسية مرهقة، إذ باتت فكرة “عودة الحرب” جزءاً من الأحاديث اليومية بين الناس، سواء في البيوت أو أماكن العمل أو حتى بين الأطفال. ويخشى كثيرون من أن يؤدي فشل المفاوضات إلى انفجار جديد يعيد القطاع إلى نقطة الصفر بعد شهور طويلة من المعاناة والخسائر.
وبين الأمل في التوصل إلى اتفاق يوقف التوتر بشكل دائم، والخوف من انهيار كل الجهود السياسية، يبقى الشارع الغزي غارقاً في حالة من القلق والترقب، فيما ينتظر السكان أي بارقة أمل تعيد لهم الشعور بالأمان الذي فقدوه منذ سنوات طويلة