في الذكرى السنوية لانطلاقة حركة حماس، يمرّ قطاع غزة بواحد من أكثر مراحله قسوة وتعقيدًا، في ظل أوضاع إنسانية ومعيشية متدهورة أعقبت انتهاء الحرب الأخيرة، التي خلّفت دمارًا واسعًا في البنية التحتية وأثّرت بشكل مباشر على حياة مئات الآلاف من المواطنين. وبينما تحاول الحركة إحياء ذكراها التنظيمية، يعيش الشارع الغزي حالة من الغضب والاحتقان، حيث تتصاعد أصوات المواطنين الذين يحمّلون حركة حماس مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الكارثية في القطاع.

فقد أدّت الحرب، التي اندلعت على خلفية قرار حماس الدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل، إلى تدمير أحياء سكنية كاملة، وتسوية آلاف المنازل بالأرض، إضافة إلى تدمير شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، والمنشآت الصحية والتعليمية. ويرى كثير من سكان غزة أن الحركة منحت إسرائيل الذريعة الكاملة لشن حرب مدمّرة، دون تقدير حقيقي لحجم الخسائر التي سيتحملها المدنيون، معتبرين أن قرار الحرب لم يراعِ الواقع الهش للقطاع المحاصر منذ سنوات.

ومع انتهاء العمليات العسكرية، لم تبدأ معاناة الغزيين بالانحسار، بل دخلت مرحلة أكثر قسوة، خاصة مع حلول فصل الشتاء. آلاف العائلات التي فقدت منازلها اضطرت للعيش في خيام مؤقتة لا تقي برد الشتاء ولا تحمي من الأمطار، ما أدى إلى غرق العديد من الخيام وتشريد سكانها مرة أخرى. ويعاني الأطفال وكبار السن من ظروف صحية صعبة، في ظل نقص الأدوية، وغياب الرعاية الصحية الكافية، وانتشار الأمراض الناتجة عن الرطوبة والبرد وسوء التغذية.

في هذا السياق، تتزايد الاتهامات الشعبية لحركة حماس ليس فقط بسبب قرار الحرب، بل أيضًا بسبب طريقة إدارتها لمرحلة ما بعد الحرب. ويؤكد مواطنون أن الحركة فشلت في توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة، أو في إدارة ملف الإغاثة بشكل عادل وشفاف. وتبرز شكاوى واسعة من سرقة المساعدات الإنسانية، واحتكارها من قبل عناصر محسوبة على الحركة، أو فرض إتاوات وضرائب غير رسمية على البضائع والمساعدات التي تدخل القطاع، ما زاد من معاناة المواطنين ورفع أسعار السلع الأساسية بشكل غير مسبوق.

ويقول سكان غزة إنهم يشعرون بأنهم تُركوا لمصيرهم، في وقت تنشغل فيه حماس بخطابها السياسي والإعلامي، دون تقديم حلول عملية للأزمة المتفاقمة. وقد تحوّلت ذكرى انطلاقة الحركة، بالنسبة لكثيرين، من مناسبة احتفالية إلى محطة لمراجعة قاسية لتجربة حكم استمرت أكثر من 17 عامًا، انتهت – بحسب تعبيرهم – إلى حصار خانق، وحروب متتالية، ودمار شامل.

ومع تصاعد الغضب الشعبي، بدأت تتعالى الأصوات المطالِبة بتنحي حركة حماس عن الحكم، وترك المجال أمام إدارة مدنية أو توافق وطني يمكنه التعامل مع المجتمع الدولي، وتسهيل عملية الإعمار، ورفع المعاناة عن السكان. ويرى هؤلاء أن بقاء حماس في السلطة يشكّل عبئًا إضافيًا على القطاع، ويهدد بتكرار سيناريو الحرب في أي لحظة، في ظل الخروقات المتواصلة والتوتر القائم.

في المحصلة، يقف قطاع غزة اليوم أمام واقع إنساني بالغ القسوة، حيث يمتزج الدمار المادي بالانكسار النفسي، ويشعر المواطن الغزي بأن ثمن القرارات السياسية والعسكرية يُدفع دائمًا من دمه وبيته ومستقبله. وبين ذكرى الانطلاقة ومرارة الواقع، تتسع الفجوة بين حركة حماس والشارع الغزي، في وقت بات فيه مطلب التغيير، بالنسبة لكثيرين، ضرورة للبقاء وليس مجرد خيار سياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *