في زمنٍ تتكثف فيه التناقضات، تقف حركة “حماس” على حافة مفترق بالغ الخطورة، ليس فقط في سياق حاضرها السياسي، بل في مسار وجودها ذاته كحركة، كفكرة، وكواقع. فمنذ هجوم السابع من أكتوبر، دخلت الحركة – الطامحة دومًا لإعادة تعريف المعادلات – في دوامة قرارات مصيرية، كانت نتائجها أكثر تعقيدًا مما تخيل صانعوها. لم تعد غزة تحتمل المزيد، ولم تعد القيادات قادرة على الإنكار أو المناورة. المشهد أكثر هشاشة من أي وقت مضى، والثقة الداخلية تتآكل بين كوادر يرون في مراجعة الذات أمل النجاة، وآخرين ما زالوا يحلمون بانتصار يأتي من بين الأنقاض.

لم تعد “حماس” تلك المنظمة المتمسكة برؤية واحدة وقيادة واضحة. فبعد الضربات الإسرائيلية الموجعة التي طالت الصفوف العليا من قادتها العسكريين والسياسيين، تصاعدت الخلافات الداخلية إلى السطح، وبدأت الأصوات المتباينة تتصارع داخل جسدٍ منهك. فئة ترى أن رهان الهجوم المفاجئ كان انتحارًا سياسيًا وعسكريًا، وأن الحركة بحاجة إلى انفتاح سياسي جذري يعيد وصل ما انقطع مع العالم العربي. على رأس هذا التيار يقف خالد مشعل، الذي يدعو إلى إعادة التموضع، وتفكيك الارتباط مع إيران وحزب الله، والقبول بالشروط العربية لإعادة إعمار غزة، حتى وإن كان الثمن هو فقدان السيطرة على القطاع.

على الضفة الأخرى، يصرّ التيار المتشدد، بقيادة خليل الحية ومن تبقى من جناح غزة، أن “ورقة الرهائن” ما زالت فاعلة، وأن انسحاب الجيش الإسرائيلي الكامل يمكن انتزاعه عبر صلابة التفاوض، مستفيدين من دعم قطر وتركيا وبعض الشبكات غير الرسمية للدعم. هذا التيار يرى أن العودة إلى “الحضن العربي” ستكون خيانة لتاريخ الحركة، وتفريطًا بالسلاح، الذي يرونه جوهر البقاء لا مجرد أداة ضغط.

في عمق هذا الصراع، يغيب صوت الناس. أولئك الذين ماتوا جوعًا تحت الركام، والذين ينام أطفالهم في المخيمات بلا مأوى ولا دواء، لا يسمعون في الإعلام ولا يُمثلون في غرف التفاوض. غزة التي أصبحت عنوانًا للمأساة الممتدة، باتت عبئًا أخلاقيًا حتى على من ادّعوا الدفاع عنها. فالحرب التي خُطط لها أن تكون لحظة الانتصار الأعظم، تحولت إلى كارثة وجودية تهدد الحركة من الداخل، وتُعيد تعريف دورها في الساحة الفلسطينية والعربية.

إن حماس اليوم، أمام سؤال وجودي يتجاوز الانقسام التقليدي بين “الاعتدال والتطرف”. إنها لحظة مواجهة مع الذات، مع التجربة، ومع إرث ثلاثين عامًا من التحدي والمقاومة والحكم.

فهل تعيد الحركة كتابة قصتها من جديد – بلغة السياسة والتراجع المحسوب – أم تواصل اجترار شعارات الأمس في واقع لم يعد يشبهه شيء؟

الجواب قد لا يكون بيد القيادة وحدها، بل بيد شعب بات يئن تحت الحصار، ويدرك أن الخيار الأصعب لم يعد بين المقاومة والاستسلام، بل بين الحياة والاستمرار في الموت البطيء.

وفي كل الأحوال، ما بعد السابع من أكتوبر، ليس كما قبله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *