تعيش حركة “حماس” مرحلة بالغة الحساسية، إذ انتقلت قياداتها السياسية من العاصمة القطرية الدوحة إلى إسطنبول، في خطوة لم تكن عفوية أو إدارية، بل تعكس حجم التحولات والضغوطات التي تعاني منها الحركة سياسيًا وأمنيًا. وجاءت هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأمريكية والدولية الرامية إلى عزل الحركة وتجريمها على الساحة الدولية، خاصة بعد الحرب المستمرة في غزة منذ أكتوبر 2023.
ووفقًا لمصادر دبلوماسية متعددة، فإن دولة قطر، التي استضافت قيادات حماس لسنوات، بدأت تضييق الخناق بهدوء، بعد ضغوط أمريكية غير معلنة، ما دفع الحركة إلى البحث عن بدائل أكثر مرونة، وإن كانت أقل أمانًا سياسياً، وهو ما دفعها إلى اختيار تركيا كمقر مؤقت لقيادتها السياسية.
حماس ومأزق العزلة الدولية
منذ اندلاع الحرب في غزة، تصاعدت الأصوات الغربية المنادية بتصنيف حماس كمنظمة إرهابية، ليس فقط في الولايات المتحدة وأوروبا، بل حتى داخل الأمم المتحدة، حيث تُبذل جهود لإضفاء شرعية قانونية على خطوات عزل الحركة ومحاصرتها دبلوماسيًا وماليًا. ورافقت هذه الحملة ضغوط مباشرة على دول حليفة أو صديقة للحركة، وعلى رأسها قطر وتركيا، بهدف إنهاء أي مظلة دبلوماسية توفر لحماس غطاء سياسيًا في الخارج.
ووفق مصادر مطلعة تحدثت لوسائل إعلام غربية وعربية، فإن قطر أبلغت الحركة بشكل غير مباشر بأنها لم تعد قادرة على استضافة المكتب السياسي كما في السابق، في ظل الحملة الأمريكية الواسعة للحد من نفوذ حماس في المنطقة، خصوصًا مع اشتداد التوترات في لبنان وسوريا، وتقلص الدعم الإيراني العلني.
اجتماعات إسطنبول: طابعها ومحتواها
خلف الأبواب المغلقة في تركيا، دارت اجتماعات مكثفة لقيادات حماس خلال الأيام الماضية، حضرها أعضاء بارزون من المكتب السياسي، وممثلون للحركة، إلى جانب وسطاء سياسيين من دول إقليمية، بحسب ما قالته مصادر.
تهدف هذه الاجتماعات، حسب مصادر مقربة من الحركة، إلى مناقشة ثلاثة ملفات رئيسية:
-
صياغة موقف موحد بشأن مقترحات دولية تتحدث عن “نزع سلاح حماس مقابل رفع الحصار ووقف الحرب”، وهو ما ألمح إليه مؤخرًا المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط، ستيف ويكتوف، في تصريحات صحفية قال فيها: “نعتقد أن هناك استعدادًا داخل حماس لمناقشة ترتيبات أمنية تنهي القتال وتفتح المجال أمام الحلول السياسية”.
-
البحث عن بديل دائم لمقر القيادة السياسية، مع تقييم جدوى البقاء في تركيا، أو الانتقال لاحقًا إلى دولة أخرى أكثر انسجامًا مع الخطاب السياسي للحركة.
ويرى محللون سياسيون أن سفر قيادات المكتب السياسي في حماس إلى تركيا يحمل دلالات سياسية عميقة. فأنقرة، رغم علاقاتها المتوازنة مع واشنطن وتل أبيب، لا تزال تحتفظ بخيط رفيع من التواصل مع حماس، وتعتبر نفسها وسيطًا قادرًا على لعب دور مزدوج: دعم القضية الفلسطينية من جهة، والتقارب مع الغرب من جهة أخرى.
ويقول المحلل السياسي الفلسطيني د. حسام عرفات إن “تركيا لن تكون حضنًا سياسيًا طويل الأمد لحماس، لكنها توفر لها فترة تنفس مؤقتة تسمح للحركة بإعادة تموضعها وتقييم استراتيجيتها في ظل تحولات خطيرة إقليميًا ودوليًا”.
ويرى عرفات أن الاجتماعات الأخيرة في إسطنبول ليست مجرد محاولة للنجاة، بل هي نقطة تحول حقيقية في مسيرة الحركة. فإما أن تُقبل حماس بالدخول في تسوية سياسية تضمن وجودها بشروط دولية، أو تختار المواجهة، مع ما يحمله ذلك من عواقب.
بين المقاومة والتسوية: الخيارات الصعبة
أمام حماس عدة سيناريوهات مطروحة، لكل منها كلفة سياسية وتنظيمية:
| السيناريو | التحديات |
|---|---|
| الدخول في تسوية سياسية مشروطة (نزع السلاح/حكومة انتقالية) | رفض من قواعدها وجناحها العسكري، وإمكانية فقدان جزء من شرعيتها الثورية. |
| التمسك بخط المقاومة الكامل | عزلة دولية، صعوبة تأمين دعم مالي وسياسي، خطر التصنيف الإرهابي الموسّع. |
| المناورة والتكيف المرحلي | البقاء في منطقة رمادية مع قبول ضمني لخطط دولية، دون إعلان صريح، بانتظار تغير الظروف. |
تعيش حركة حماس حاليًا لحظة مفصلية قد تحدد مسارها للسنوات القادمة. فعلى الصعيد الدولي، تتزايد العزلة، وتتقلص المساحات السياسية المتاحة لها. وعلى الصعيد الداخلي، تواجه الحركة استنزافًا عسكريًا غير مسبوق في غزة، وغضبًا شعبيًا متصاعدًا في ظل استمرار الحرب ونقص المساعدات.
اجتماعات تركيا لا تمثل فقط محطة إدارية، بل هي محاولة لإعادة تعريف الحركة وتوجهها: بين من يدفع نحو التكيّف السياسي، ومن يتمسك بخيار المقاومة الشاملة مهما كلف الثمن. وفي الحالتين، فإن نتائج هذه الاجتماعات ستكون حاسمة ليس فقط لحماس، بل لمستقبلالحرب غزة ككل، في ظل تآكل المبادرات السياسية، وغياب الأفق الواضح لأي حل شامل.