بعد مرور أكثر من عشرين شهرًا على اندلاع حرب 7 أكتوبر 2023 بين الفصائل الفلسطينية المسلحة وإسرائيل، والتي تركزت بشكل خاص على قطاع غزة، يشهد القطاع حالة غير مسبوقة من الغضب الشعبي تجاه حركة حماس، التي تتولى الحكم منذ عام 2007. فقد تزايدت حدة الانتقادات من قبل المواطنين في ظل ما يعتبرونه “تدهورًا كارثيًا” للأوضاع المعيشية، وانسداد الأفق السياسي، وانعدام مقومات الحياة الأساسية.
يعيش سكان قطاع غزة، البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة، أوضاعًا إنسانية صعبة منذ بدء الحرب، إذ تعرضت البنية التحتية للدمار شبه الكامل، وانهارت الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصرف صحي. كما أدى الحصار الإسرائيلي المشدد، إلى جانب الدمار الواسع الناتج عن العمليات العسكرية، إلى نقص حاد في الغذاء والدواء والوقود. ويقول سكان محليون إن حياتهم أصبحت “رهينة قرارات سياسية خاطئة” اتخذتها قيادة حماس دون مراعاة لحجم المخاطر على المدنيين.
وعلى الرغم من القبضة الأمنية المشددة التي تفرضها الأجهزة التابعة لحماس، بدأت تبرز مؤشرات على تزايد المعارضة الشعبية، إذ يسجل شهود عيان مظاهر احتجاج غير معتادة، من بينها رسائل انتقاد تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وشكاوى علنية في الأسواق والمخيمات، وحتى شعارات تكتب على الجدران في بعض المناطق، تطالب الحركة بالتخلي عن السلطة.
ويؤكد ناشطون محليون أن حالة السخط لم تعد حكرًا على معارضي حكم حماس التقليديين، بل امتدت إلى شريحة من أنصار الحركة نفسها، الذين بدأوا يعبّرون عن خيبة أملهم من طريقة إدارة الأزمة والحرب، معتبرين أن “القيادة فشلت في تحقيق أي إنجاز سياسي أو عسكري يبرر حجم الكارثة التي حلت بالقطاع”.
انقسامات داخلية داخل القاعدة الشعبية
بحسب مصادر محلية، فإن بعض كوادر حماس الميدانية بدأت تشعر بضغط الشارع، خاصة بعد خسارة الكثير من المناطق والمقدرات، وعدم وضوح الرؤية المستقبلية. ويشير مراقبون إلى أن هذه الانقسامات قد تعكس بداية تحوّل في المزاج الشعبي، وربما داخل البنية التنظيمية للحركة، وهو ما قد يؤثر على تماسكها الداخلي على المدى المتوسط.
وأن المعارضون لسياسات حماس يتهمون قيادتها باتخاذ قرارات مصيرية بمعزل عن رأي الشارع أو حتى المؤسسات الداخلية للحركة. ويرون أن قرار الدخول في مواجهة شاملة في أكتوبر 2023 لم يكن مدروسًا بالشكل الكافي، وأدى إلى استنزاف غير مسبوق للقطاع وأهله. ويقول أحد المواطنين
في حين تتزايد الدعوات، سواء من المعارضة التقليدية أو من داخل القاعدة الشعبية للحركة، لإيجاد صيغة حكم جديدة لقطاع غزة، سواء عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو تسليم إدارة القطاع لجهة مدنية أو وطنية جامعة، بعيدًا عن الانفراد بالقرار. إلا أن قيادة حماس حتى اللحظة تبدو متمسكة بالسلطة، وتؤكد أنها لن تتخلى عن حكم قاع غزة ولن تسلم سلاحها معارضة لمطالب المواطنين لوقف الدمار الذي يحصل في قاع غزة.
ويرى محللون سياسيون أن استمرار الوضع الحالي دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى انفجار داخلي في غزة، خاصة مع اشتداد الأزمات المعيشية، وفقدان الثقة بالقيادة. ويؤكد هؤلاء أن أي تغيير محتمل في المشهد السياسي بالقطاع سيكون مرهونًا بعوامل داخلية وخارجية، من بينها مواقف الفصائل الأخرى، وضغوط الدول الإقليمية، ومسار التهدئة أو التصعيد مع إسرائيل.
بعد أكثر من 20 شهرًا على حرب 7 أكتوبر، يقف قطاع غزة أمام مفترق طرق حاسم، حيث يواجه سكانه أزمات إنسانية خانقة، ومشهدًا سياسيًا مأزومًا، وغضبًا شعبيًا متصاعدًا من حركة حماس، التي تجد نفسها أمام تحديات غير مسبوقة تهدد استمرار سيطرتها على القطاع. وبين تمسك القيادة بخيار “المقاومة حتى النهاية” ورغبة شريحة واسعة من المواطنين في تغيير المسار، يبقى مستقبل غزة غامضًا، في انتظار ما ستفرزه الأيام القادمة من تطورات.