الشرق الآن – غزة

تشهد غزة توتراً متصاعداً بين حركة حماس والعشائر المحلية ذات النفوذ، في تطور جديد يهدد استقرار القطاع ويضعف النسيج الاجتماعي الفلسطيني. بعد سنوات من السيطرة المحكمة التي فرضتها حماس على القطاع، بدأت تظهر خلافات علنية نتيجة سياسات الحركة في إدارة الشؤون الأمنية والاجتماعية، وهو ما انعكس مؤخرًا في مواجهات مباشرة بين وحداتها الأمنية والعائلات الكبيرة.

أحدث هذه الحوادث وقع في مدينة خان يونس، حيث اقتحمت وحدة “سهم” التابعة لجهاز الأمن الداخلي التابع لحماس منزل عشيرة المجايدة بحجة ملاحقة مطلوبين. لكن العملية اتسمت بعنف غير مسبوق، واستخدمت القوة المفرطة داخل المنازل، ما أثار غضب العشيرة وأدى إلى اندلاع مواجهات محدودة بين أفراد الوحدة وأبناء العشيرة، وفق ما أفاد شهود عيان. وقد اعتبر أبناء المجايدة وأقاربهم أن ما حدث هو انتهاك صارخ للحرمة المنزلية والأعراف الاجتماعية المتوارثة، مما يشكل تحدياً مباشرًا لسيطرة حماس على المنطقة.

توسعت ردود الفعل لتشمل شخصيات سياسية وأمنية محسوبة على الفصائل الفلسطينية، حيث انتقدت استخدام القوة المفرطة واتهمت حماس بالتحول إلى سلطة قمعية تتجاوز المبادئ الإسلامية والإنسانية التي طالما رفعتها الحركة كشعار. في نظر هؤلاء، أصبح الهدف الأمني يتحول أحيانًا إلى ممارسة سلطوية مفرطة، تُضعف علاقة الحركة بالمجتمع المحلي وتثير مخاطر الانفجار الداخلي.

ويشير محللون إلى أن الاقتتال بين وحدة “سهم” والعشائر المحلية ليس حادثة منفردة، بل جزء من سلسلة نزاعات صغيرة متفرقة اندلعت في مناطق متعددة داخل غزة خلال الأشهر الأخيرة، بسبب ملاحقة مطلوبين أو فرض إجراءات أمنية اعتبرتها العشائر تجاوزًا على سلطتها التقليدية. وقد ربط بعض المراقبين هذا التصعيد بالتحديات الاقتصادية والمعيشية التي يعاني منها القطاع، حيث يزداد السخط الشعبي على الإجراءات الأمنية القاسية مقابل انعدام فرص العمل وتدهور الخدمات الأساسية.

من جانبها، تحاول حماس احتواء هذه المواجهات عبر وساطات محلية، لكن بعض المحللين يرون أن نجاح هذه الجهود محدود، خاصة مع وجود شعور متزايد بين العشائر بأن الحركة تتعامل مع المواطنين وكأنهم خصوم، وليس شركاء في الحفاظ على الأمن والاستقرار. ويضيفون أن هذا التوتر قد يؤدي في المستقبل القريب إلى توسيع دائرة النزاع ليشمل مناطق أخرى، ما قد يخلق حالة من الانقسام الداخلي يصعب السيطرة عليها.

وتؤكد مصادر محلية أن وحدة “سهم” نفذت عمليات مشابهة في مناطق أخرى من القطاع، مثل رفح ومدينة غزة، لكن الاختلاف في العشائر المستهدفة وطبيعة النزاعات أعطى لكل حادثة طابعها الخاص، ما يجعل أي تقييم شامل للوضع أكثر تعقيدًا. وقد لاحظ مراقبون أن ردود الفعل الشعبية تراوحت بين التنديد العلني والامتناع عن أي احتجاج مسلح، في حين أبدت بعض العشائر استعدادها للدفاع عن منازلها وأراضيها في حال تكرار الاقتحامات.

يبقى الفلسطينيون المدنيون في قلب هذا النزاع الداخلي، وهم الأكثر تضررًا، إذ تتحول جهودهم اليومية لمواجهة الحصار والظروف المعيشية الصعبة إلى صراع داخلي لا طائل منه، يزيد من معاناتهم ويضعف قدرتهم على مواجهة التحديات الخارجية. ومع تزايد حدة الاقتتال بين الوحدات الأمنية والعشائر، يتزايد القلق من أن يؤدي التصعيد إلى حالة من الفوضى الأمنية التي قد تمتد لتشمل مناطق أوسع، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على استقرار غزة بالكامل.

في المجمل، يشير الوضع الراهن إلى أن العلاقة بين حماس والعشائر الفلسطينية في غزة دخلت مرحلة حرجة، وأن أي محاولة لإعادة التوازن تتطلب معالجة جذور النزاع، سواء كانت مرتبطة بالسلطة المحلية، أو الأعراف الاجتماعية، أو الاحتياجات الاقتصادية للسكان. فغياب الحوار والتفاهم بين الطرفين قد يؤدي إلى مزيد من الاقتتال الداخلي، ما يجعل غزة على شفا أزمة أمنية واجتماعية قد تكون آثارها وخيمة على النسيج المجتمعي الفلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *