بعد عامين من اندلاع عملية “طوفان الأقصى” التي أطلقتها حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023، وضعت الحرب أوزارها أخيرًا باتفاق وقف إطلاق نار شامل أنهت حرباً دامية ٬ غير أن نهاية الحرب فتحت بابًا واسعًا للأسئلة، أبرزها: ماذا حققت هذه الحرب؟ وهل كان قرار إشعالها صائبًا بالنظر إلى حجم الدمار الإنساني والمادي الذي خلفته في قطاع غزة؟
حرب مدمرة بكل المقاييس
خلال عامين من القتال، تحولت غزة إلى ركام مفتوح. أكثر من نصف المباني السكنية دمرت أو تضررت، فيما انهارت البنية التحتية الصحية والتعليمية والخدمية بالكامل تقريبًا. وفق تقديرات الأمم المتحدة، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين عشرات الآلاف، معظمهم من المدنيين، إلى جانب ملايين النازحين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين في مساحة ضيقة بلا ماء أو كهرباء أو غذاء كافٍ.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد توقفت الحياة التجارية والإنتاجية كليًا، وتراجع الناتج المحلي إلى أدنى مستوياته في تاريخ القطاع، بينما تحولت المساعدات الإنسانية إلى الرافد الوحيد لبقاء السكان على قيد الحياة.
هذه المعطيات دفعت كثيرين إلى التساؤل عمّا إذا كان قرار “طوفان الأقصى” قد أخذ بعين الاعتبار حجم الرد الإسرائيلي المتوقع، خاصة في ظل ميزان القوى المختل بين الطرفين.
النتائج السياسية والعسكرية
رغم أن حماس وصفت عمليتها في بدايتها بأنها “زلزال في وجه الاحتلال”، فإن المشهد بعد عامين أظهر نتائج مختلفة. فإسرائيل استطاعت، بدعم أميركي وغربي واسع، تدمير القدرات العسكرية الأساسية للحركة، واستهداف بنيتها القيادية والتنظيمية، وفرض واقع جديد في غزة من خلال الحصار الكامل والمناطق العازلة التي أعادت رسم خريطة القطاع.
في المقابل، لم تنجح حماس في تحقيق هدفها المعلن المتمثل في كسر الحصار أو تحرير الأسرى الفلسطينيين بالكامل، رغم بعض الصفقات الجزئية التي جرت خلال الحرب. كما أن الحرب أدت إلى تآكل شرعية الحركة في بعض الأوساط الشعبية التي حملتها مسؤولية الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع.
الانعكاسات على المجتمع الفلسطيني
الآثار الاجتماعية للحرب لا تقل خطورة عن خسائرها المادية. فالغزيون يعيشون اليوم أزمة إنسانية ونفسية غير مسبوقة، حيث انتشرت الأمراض، وتفاقمت معدلات البطالة والفقر، وانهارت المنظومة التعليمية، بينما تزايدت حالات الهجرة ومحاولات الهروب من القطاع.
هذا الواقع ولّد شعورًا واسعًا بالإحباط بين الفلسطينيين، الذين يرون أن الحرب زادت من معاناتهم ولم تحقق لهم مكاسب حقيقية. حتى داخل صفوف المقاومة، ظهرت خلافات حول طريقة إدارة المعركة، وتوقيت إطلاقها، وغياب خطة ما بعد الحرب.
هل كان القرار صائبًا؟
من منظور المقاومة، قد يُقال إن “طوفان الأقصى” جاء ردًا على انسداد الأفق السياسي وتزايد الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة والقدس والمسجد الأقصى، وأنه كان محاولة لفرض القضية الفلسطينية من جديد على طاولة العالم. وبالفعل، أعاد الهجوم القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، وأحرج العديد من الدول التي حاولت تجاهلها لسنوات.
لكن بالمقابل، يرى كثير من المحللين أن الثمن كان باهظًا للغاية، وأن القرار افتقر إلى تقدير استراتيجي شامل لتداعياته. فبدل أن تعزز الحرب الموقف الفلسطيني، أدت إلى مزيد من التشرذم والانقسام، وفتحت الباب أمام محاولات دولية لإعادة تشكيل غزة سياسيًا واقتصاديًا وفق تصورات خارجية لا تراعي الإرادة الوطنية.
بعد عامين من الدم والدمار، يمكن القول إن حرب “طوفان الأقصى” تركت إرثًا مؤلمًا ومعقدًا للشعب الفلسطيني. فبينما نجحت في تذكير العالم بأن الاحتلال لا يزال أصل الصراع، إلا أنها أيضًا كشفت هشاشة الواقع الفلسطيني، وعجز الفصائل عن إدارة الصراع بحسابات استراتيجية متوازنة تراعي حياة المدنيين ومستقبل غزة.
إن السؤال الحقيقي الذي يبقى مطروحًا اليوم ليس فقط: هل كان القرار صائبًا؟
بل أيضًا: هل يمكن للفلسطينيين أن يتعلموا من هذه التجربة القاسية لبناء رؤية وطنية موحدة، تُجنبهم حربًا أخرى قد تترك غزة في قاع أعمق مما هي فيه الآن؟