كشفت مصادر مطلعة عن تصاعد الخلافات داخل حركة حماس بين قياداتها في الخارج ونظرائهم في الداخل، على خلفية تداعيات هجوم 7 أكتوبر 2023، الذي أدى إلى اندلاع حرب إسرائيلية مدمرة على قطاع غزة، وما تلاه من آثار إنسانية واقتصادية كارثية على السكان.

وبحسب هذه المصادر، فإن الجدل الدائر داخل الحركة يتمحور حول طبيعة القرار الذي اتخذ في السابع من أكتوبر، وما إذا كان قد جرى التخطيط له دون الأخذ بعين الاعتبار حجم المخاطر التي قد تلحق بالمواطنين، في ظل الحصار المستمر منذ أكثر من 17 عامًا، والانهيار الحاصل في البنية التحتية والخدمات الأساسية.

عدد من قيادات الحركة في الخارج، وفق ما تم تداوله، أبدوا تحفظات على طريقة إدارة القيادة في الداخل للملف السياسي والعسكري، معتبرين أن الحركة لم تُبدِ اهتمامًا كافيًا بحياة المدنيين ومصالحهم، وأن قراراتها اتسمت بالاندفاع دون حسابات دقيقة للعواقب.

وبحسب هذه الآراء، فإن قيادة حماس في غزة ركزت على تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية للحركة، دون أن تضع في أولوياتها حماية المدنيين أو ضمان استمرار الخدمات الأساسية. ويذهب بعض هؤلاء إلى القول إن القيادة الحالية غير مؤهلة لقيادة مفاوضات سياسية مع إسرائيل أو الأطراف الدولية، بسبب افتقارها إلى المرونة وإصرارها على مواقف قد تزيد عزلة الحركة على الصعيد الدولي.

وفي المقابل، يرى جناح آخر من قيادات الخارج أن الحركة بحاجة إلى تقديم تنازلات سياسية في أي مفاوضات مستقبلية، بهدف وقف الحرب وتخفيف معاناة سكان القطاع. هؤلاء يعتقدون أن التمسك المطلق بالمواقف الصلبة قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع، ويزيد من تدهور الأوضاع الإنسانية.

وبينما تتباين المواقف حول حجم هذه التنازلات، فإن الخط المشترك بينهم يتمثل في الدعوة إلى إعطاء الأولوية لسلامة المدنيين وحقوقهم المعيشية، بدلًا من اعتبار الصراع وسيلة لتعزيز النفوذ السياسي للحركة.

انتقادات من الداخل لقيادات الخارج

على الجانب الآخر، يعبر عدد من كوادر وأنصار الحركة في داخل غزة عن استياء بالغ من مواقف بعض القيادات في الخارج، خاصة أولئك الذين يدعون المواطنين إلى الصبر والثبات بينما يعيشون هم في دول توفر لهم حياة مريحة ومستقرة.

وبحسب تعليقات تم رصدها عبر منصات التواصل الاجتماعي، فإن جزءًا من الشارع الغزّي يرى أن هذه القيادات تفتقر للإحساس بمعاناة السكان اليومية، وأن خطاباتها الحماسية لا تعكس حجم المأساة الإنسانية التي يواجهها المواطنون تحت القصف والدمار، وفي ظل انقطاع الكهرباء والمياه ونقص المواد الغذائية.

ويذهب هؤلاء إلى القول إن من يتخذ القرارات المصيرية بشأن الحرب يجب أن يكون على تماس مباشر مع الواقع الميداني، لا أن يصدر التوجيهات من خارج القطاع حيث تتوفر مقومات الحياة الأساسية.

المراقبون للشأن الفلسطيني يرون أن هذه الخلافات تكشف عن أزمة ثقة متنامية داخل حركة حماس، قد تنعكس على وحدة القرار السياسي والعسكري مستقبلاً. كما أن استمرار هذه الانقسامات قد يضعف قدرة الحركة على إدارة المفاوضات أو التوصل إلى تسويات تضمن الحد الأدنى من مصالحها ومصالح سكان غزة.

ويشير محللون إلى أن الحرب الإسرائيلية على القطاع منذ أكتوبر 2023 تسببت في خسائر بشرية ومادية هائلة، وأدت إلى تهجير مئات الآلاف من السكان، مما جعل أصوات النقد من داخل وخارج الحركة أكثر علانية، بعد أن كانت تُدار الخلافات سابقًا في أروقة مغلقة.

ومع استمرار العمليات العسكرية وتفاقم الوضع الإنساني، يبقى السؤال المطروح داخل أوساط الحركة وخارجها: هل ستنجح حماس في تجاوز هذه الخلافات، وتوحيد رؤيتها السياسية، أم أن الانقسامات ستتعمق لتصل إلى حد التأثير على بنيتها التنظيمية؟

العديد من المراقبين يرون أن قدرة الحركة على التكيف مع الضغوط الدولية والمحلية ستعتمد على استعداد قياداتها، في الداخل والخارج على حد سواء، لمراجعة استراتيجياتها، وإعطاء الأولوية لمصالح المواطنين، بعيدًا عن حسابات النفوذ والمكاسب السياسية.

وفي الوقت الذي يطالب فيه سكان غزة بوقف فوري للحرب وفتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية، يبقى القرار بيد قيادة الحركة التي تواجه تحديًا مزدوجًا: إدارة معركة ميدانية مع إسرائيل، ومعركة سياسية داخل صفوفها، قد تحدد مستقبلها ودورها في الساحة الفلسطينية في السنوات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *