مع إعلان الجيش الإسرائيلي بدء عملية عسكرية واسعة النطاق في مدينة غزة وشمال القطاع، دخلت الأوضاع الإنسانية في غزة مرحلة جديدة من التصعيد، حيث لم يجد المواطنون أمامهم سوى التوجه إلى جنوب القطاع الذي يصنّفه الجيش الإسرائيلي على أنه “منطقة آمنة نسبيًا”، باعتباره المكان الوحيد المتاح للنزوح.

الجنوب.. تعريف إسرائيلي لـ “الأمان”

وفق بيانات الجيش الإسرائيلي، جرى تقسيم قطاع غزة إلى مناطق، واعتُبر الجنوب ـ وخاصة مدينتي خان يونس ورفح ـ منطقة آمنة نسبيًا، حيث يُفترض أن يتم توزيع المساعدات الإنسانية فيها، مع توفير الحد الأدنى من الخدمات. ويُروج الجيش عبر بياناته ومناطقه المرسومة أن هذه المناطق تشكّل “مراكز إنسانية” يمكن للمدنيين اللجوء إليها، بعيدًا عن دائرة القصف المستعر في شمال ووسط القطاع.

لكن هذا “الأمان” ليس خيارًا حرًا أمام الفلسطينيين، بل هو مخرج قسري فرضته العمليات العسكرية التي حوّلت مدينة غزة ومناطقها الشمالية إلى ساحات قتال مفتوحة، تشهد قصفًا مكثفًا غير مسبوق طال أحياء سكنية وبنى تحتية على نحو غير مسبوق منذ بداية الحرب.

ومع بدء العملية العسكرية الأخيرة، لم يعد أمام سكان غزة أي خيار سوى النزوح جنوبًا. الطرق المؤدية إلى خان يونس امتلأت بعشرات الآلاف من المدنيين الذين اصطحبوا أطفالهم وكبار السن وما تيسّر من حاجيات أساسية، تاركين خلفهم منازل أصبحت عرضة للدمار في أي لحظة.

بينما يعلن الجيش الإسرائيلي أن الجنوب منطقة محمية نسبيًا، تتواصل الغارات على أطراف خان يونس ورفح بشكل متقطع، ما يعمّق مخاوف النازحين من أن تتحول هذه “الملاذات الإنسانية” إلى أهداف عسكرية في أي لحظة. ويؤكد شهود عيان أن القصف بات قريبًا جدًا من المناطق التي يتكدس فيها النازحون، الأمر الذي يثير الشكوك حول مصداقية الرواية الإسرائيلية بشأن “الأمان”.

أم محمد، وهي نازحة من مدينة غزة، قالت: “لم نجد مكانًا نذهب إليه سوى الجنوب. قالوا لنا هنا آمن ويوجد مساعدات، لكننا بالكاد نجد الماء والخبز، والخوف يحيط بنا من كل اتجاه.”

ضغط إنساني هائل

المنظمات الإنسانية عبّرت عن قلق بالغ من الوضع في الجنوب، حيث يتكدس مئات الآلاف في مدارس مكتظة وخيام عشوائية، وسط نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه. كما حذرت من أن تحويل الجنوب إلى “منطقة نزوح جماعي” دون توفير إمكانات حقيقية قد يخلق أزمة إنسانية مضاعفة، إذ باتت الخدمات الأساسية على شفا الانهيار الكامل.

وفي الوقت الذي تشهد فيه مدينة غزة ومناطقها الشمالية قصفًا كثيفًا غير مسبوق، يواجه الجنوب تحديًا آخر يتمثل في القدرة على استيعاب مئات آلاف النازحين. وبينما يحترق الشمال تحت وطأة النيران، يختنق الجنوب بأعداد النازحين وغياب مقومات الحياة، في مشهد يكشف التناقض الصارخ بين التعريف الإسرائيلي للجنوب كـ “منطقة آمنة”، وبين الواقع الميداني الذي يعكس انعدام أي بيئة صالحة للحياة.

ومع استمرار العملية العسكرية وتصاعد حدتها، يزداد الغموض حول مستقبل سكان غزة. الجنوب الذي رُسم كوجهة وحيدة للنزوح لا يقدم أكثر من أمان هشّ وخدمات محدودة، بينما يواصل الشمال والمدينة دفع ثمن القصف العنيف. وفي ظل غياب أي تدخل دولي فعّال لوقف التصعيد، يبقى سكان القطاع محاصرين بين جغرافيا ممزقة: شمال يشتعل بالعمليات العسكرية، وجنوب مزدحم حتى الاختناق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *