شكّلت مجالات التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة بارقة أمل للشباب في غزة، ووسيلة للتحرر من قيود البطالة وضيق الفرص، خصوصًا لخريجي تخصصات تكنولوجيا المعلومات والتسويق الرقمي. فقد أتاح لهم هذا المجال العمل من منازلهم رغم الحصار، وتحويل مهاراتهم إلى مصدر دخل وفرص عمل مستقلة.

غير أنّ الحرب الإسرائيلية الأخيرة أغلقت هذه النافذة بشكل مفاجئ، فتوقفت مشاريع ناشئة، وانهارت شركات خدمات ومتاجر رقمية وصفحات تسويق عبر الإنترنت. وجد الشباب الذين استثمروا جهدهم ومدخراتهم في بناء مستقبل جديد أنفسهم بلا عمل ولا مصدر دخل، بعدما خطفت الحرب أحلامهم كما خطفت بيوتهم وأمنهم.

مشاريع مدمّرة وأحلام ضائعة

عبد الله محمد (25 عامًا) -المتخصص في تكنولوجيا المعلومات- يروي كيف دمّرت الحرب مكتب شركته “إكسبو” للتسويق الإلكتروني، الذي كان مصدر دخله الوحيد. فقد كان يدير عقودًا مع شركات محلية وعربية، ويقدّم خدمات التصميم الجرافيكي والمونتاج وإدارة الصفحات والإعلانات عبر الإنترنت. ومع توسع نشاطه، دخل مجال الصرافة الإلكترونية عبر “باي بال”، لكنه خسر كل ذلك في أيام الحرب.

أما محمد زويد (23 عامًا)، فقد حوّل مجموعات واتساب إلى منصات بيع ناجحة، واعتمد على مندوبين في الخليج لتوزيع منتجاته. لكن الحرب عطّلت الإنترنت، وقطعت سلاسل التوريد، وأطاحت بعقوده وشراكاته. يقول بأسى: “كنت أرى مستقبلي أمامي، لكن الحرب أعادتني إلى الصفر. ومع ذلك لن أستسلم”.

وبالمثل، فقد أمير العفش (27 عامًا) مشروعه القائم على التسويق الإلكتروني مع شركات خليجية، بعدما انهارت المنظومة التجارية بفعل العدوان وانقطاع الكهرباء والاتصالات.

بيئة غير مستقرة

تشير بيانات وزارة الاقتصاد والإحصاء الفلسطيني لعام 2023 إلى وجود نحو 1000 صفحة وموقع للبيع الإلكتروني في الضفة وغزة، إضافة إلى 70 شركة توصيل وتحصيل. ورغم هذا النمو، فإن الحرب وانقطاع الإنترنت شلّا النشاط بالكامل، وأفقد آلاف الشباب مصادر دخلهم.

تجارة منهارة وأثر نفسي

يرى خبراء الاقتصاد أن التجارة الإلكترونية كانت قد تحولت إلى ركيزة اقتصادية أساسية في غزة، لكن العدوان دمّر أكثر من 95% من هذه المشاريع، وأجبر كثيرين على البحث عن بدائل مؤقتة مثل الصرافة الإلكترونية. كما ترك هذا الانهيار أثرًا نفسيًا عميقًا، إذ فقد الشباب شعورهم بالاستقرار والطموح، ودفع الكثيرين للتفكير بالهجرة بحثًا عن بيئة أكثر أمانًا للعمل والإبداع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *