في وقتٍ يزداد فيه الغضب الشعبي وتتعالى الأصوات المطالِبة بالشفافية حول مصير المساعدات الإنسانية الموجّهة إلى قطاع غزة، تتجه أصابع الاتهام مجددًا نحو حركة حماس التي تُسيطر فعليًا على القطاع منذ عام 2007، وسط مزاعم عن تورّطها في الفساد المالي والإداري داخل المؤسسات التي تتولى جمع وتوزيع المساعدات.

تزايدت التساؤلات في الشارع الفلسطيني خلال الأسابيع الأخيرة بشأن مصير أموال التبرعات الضخمة التي تدفقت إلى غزة منذ اندلاع الحرب الأخيرة، حيث أُعلن عن مئات الحملات الإغاثية في الخارج والداخل، غير أن آثارها الإنسانية على الأرض تبدو محدودة جدًا. في المقابل، انتشرت مقاطع مصوّرة وشهادات ميدانية توثّق ما وُصف بأنه استيلاء منظم على المساعدات من قبل عناصر محسوبة على حركة حماس، ما أثار موجة غضب واسعة في الأوساط الشعبية والحقوقية.

الصحفية روان الكتري، وهي من أبرز الأصوات التي تناولت الملف مؤخرًا، قالت في تصريحات خاصة إن “معظم المؤسسات والجمعيات التي تعمل على جمع التبرعات لغزة تخضع بشكل مباشر أو غير مباشر لإشراف حركة حماس”، مضيفة أن “الفساد الإداري والمالي داخل هذه المؤسسات لم يعد سرًا، بل أصبح سلوكًا ممنهجًا يخدم مصالح فئوية على حساب المحتاجين والفقراء”.

 

وأوضحت الكتري أن شبكة التبرعات والمساعدات تحوّلت إلى أداة نفوذ بيد الحركة، يتم من خلالها التحكم في الموارد وتوجيهها بما يخدم أجندتها السياسية والعسكرية. وأضافت: “كثير من الأسر الغزية لم تتلقَّ شيئًا من تلك المساعدات، بينما تذهب كميات ضخمة إلى مستودعات تابعة لحماس أو لمؤسسات محسوبة عليها، ليُعاد توزيعها لاحقًا عبر آليات غير عادلة”.

وفي سياقٍ متصل، وجهت الكتري انتقادات حادة لحماس على خلفية تنفيذها عمليات إعدام ميداني بحق عدد من المواطنين المنتمين إلى عائلات محلية في غزة، متهمةً الحركة بانتهاك القانون والأعراف المجتمعية. وقالت إن “حماس تمارس نوعًا من الإرهاب الداخلي، حيث تُبرر الإعدامات بذريعة الخيانة أو التعامل، بينما تتغاضى عن الفساد داخل صفوفها”، معتبرة أن هذه السياسة “تُخفي وراءها محاولات للهيمنة وإسكات الأصوات المعارضة داخل المجتمع الغزي”.

وخلال الأيام الماضية، انتشر على منصات التواصل الاجتماعي مقطع مصوّر يُظهر عناصر من حركة حماس، من ضمنهم أفراد من وحدة (سهم)، وهم يقومون بالاستيلاء على شاحنات مساعدات قيل إنها كانت متجهة إلى المناطق المنكوبة في شمال القطاع. ووفقًا لشهود عيان، فقد برّر المسلحون هذه الخطوة بأنها “إجراء أمني لحماية المساعدات وتوزيعها لاحقًا”، غير أن السكان المحليين أكدوا أن جزءًا كبيرًا منها لم يُعاد تسليمه، وأن العديد من الأسر لا تزال محرومة من أبسط مستلزمات الإغاثة.

منظمات حقوقية محلية طالبت بفتح تحقيق شفاف ومستقل حول مزاعم الفساد في توزيع المساعدات، محذّرة من أن “تسييس العمل الإنساني” سيقوّض الثقة بالمنظمات العاملة في غزة، ويُعرّضها لفقدان الدعم الدولي. وفي السياق ذاته، دعت شخصيات فلسطينية إلى تشكيل هيئة رقابية مستقلة بإشراف أممي أو عربي تتولى الإشراف على دخول وتوزيع المساعدات الإنسانية بعيدًا عن سيطرة أي جهة فصائلية.

ويرى مراقبون أن الاتهامات الموجّهة لحماس ليست جديدة، لكنها هذه المرة تأتي في سياقٍ حساس بعد الحرب المدمّرة التي خلّفت دمارًا هائلًا في البنية التحتية وأزمة إنسانية غير مسبوقة. ويُضيف المراقبون أن “سوء إدارة المساعدات وتورّط الفصائل في نهبها” قد يؤدي إلى تفاقم معاناة مئات الآلاف من العائلات التي تعيش اليوم دون مأوى أو غذاء كافٍ، في وقتٍ يتصاعد فيه الغضب الشعبي ضد مظاهر الترف والثراء لدى بعض قيادات الحركة.

وفي ظل استمرار غياب الشفافية، يخشى كثير من الفلسطينيين أن تتحول المساعدات إلى ورقة ضغط سياسية تُستخدم لترسيخ نفوذ حماس في القطاع، بدلًا من أن تكون وسيلة لتخفيف آلام الناس. ومع تزايد التوثيقات المصوّرة والشهادات المحلية التي تتحدث عن سرقات ممنهجة وفساد مؤسسي، تتجه الأنظار إلى المجتمع الدولي والمنظمات المانحة لاتخاذ إجراءات حازمة تضمن وصول الدعم الإنساني إلى مستحقيه الحقيقيين، لا إلى خزائن الفصائل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *