تتصاعد الاتهامات في قطاع غزة بشأن سرقة ممنهجة للمساعدات الإنسانية التي تدخل عبر المعابر، في ظل أزمة إنسانية غير مسبوقة منذ بدء الحرب الأخيرة. ووفقاً لمصادر محلية وميدانية متعددة، يُتهم عدد من التجار المحليين، بدعم وتواطؤ من بعض قيادات في شرطة حماس، بإدارة شبكة مافيوية تعمل على نهب المساعدات وتوزيعها في السوق السوداء بأسعار باهظة.
وتحدث مواطنون في مناطق مختلفة من شمال وغرب غزة عن غياب شبه تام للمساعدات الغذائية والطبية، رغم التصريحات الرسمية التي تفيد بدخول كميات كبيرة منها. ويقول أحد سكان جباليا:
“نشاهد الشاحنات تدخل، لكننا لا نرى أي شيء منها يصل إلى الناس. فجأة نجد نفس المنتجات في السوق بأسعار خيالية.”
وحتى اللحظة، لم تُصدر حركة حماس أو وزارة الداخلية في غزة أي بيان رسمي للرد على هذه الاتهامات، رغم تكرار التقارير الميدانية وشهادات على وسائل التواصل الاجتماعي توثق عرض المساعدات للبيع العلني في الأسواق.
في المقابل، نفى مسؤول في إدارة المعابر بغزة – في تصريح مقتضب – وجود أي عمليات سرقة منظمة، مشيرًا إلى “ضغوط غير مسبوقة، وصعوبات لوجستية”، على حد وصفه
تتم عمليات السيطرة على المساعدات بطرق متعددة، تبدأ عند المعابر، حيث يتم توجيه الشاحنات المحملة نحو مخازن غير رسمية، ومن ثم تجري عملية الفرز والتوزيع وفق مصالح تلك الشبكات. وفي بعض الحالات، تُعاد تعبئة بعض السلع لتظهر وكأنها منتجات تجارية وليست مساعدات إغاثية، ما يتيح بيعها دون إثارة الشكوك.
الأخطر في هذا السياق هو تورط عناصر وقيادات في جهاز الشرطة في تشغيل ما يشبه المافيا المحلية، التي تتكفل بإدارة العملية اللوجستية لسرقة المساعدات، وحماية التجار المتورطين، والتدخل لمنع أي جهة من التدقيق أو المراقبة. وقد سُجلت حالات تدخل أمني مباشر لمنع ناشطين من توثيق هذه العمليات أو مساءلة القائمين عليها، وهو ما يُشير إلى وجود غطاء رسمي لهذه الأنشطة، أو على الأقل غضّ طرف متعمد عنها.
هذه الممارسات تفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول الدور الفعلي للأجهزة الأمنية في غزة، التي يُفترض أنها مسؤولة عن حفظ الأمن وحماية المدنيين في ظل أوضاع إنسانية متدهورة، لا أن تتحول إلى شريك في استغلال الأزمة لأغراض الربح والسيطرة. كما أن هذا الواقع يُعرض المؤسسات الإغاثية الدولية لمخاطر فقدان المصداقية، ويهدد مستقبل تدفق المساعدات، خصوصًا في حال قررت بعض الدول أو الجهات المانحة تقليص دعمها أو فرض شروط إضافية نتيجة غياب الشفافية.
ورغم خطورة هذه الوقائع، تلتزم الجهات الرسمية في غزة الصمت، دون أي توضيح أو تعليق رسمي، مما يعزز الانطباع العام بوجود تواطؤ داخلي أو تقاعس في مواجهة الفساد. كما لم تُعلن حتى الآن أية نتائج لتحقيقات جدية، إن وُجدت، أو خطوات عملية لإعادة تنظيم آلية التوزيع وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.