غزة — دخلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في عملية برية واسعة داخل قلب مدينة غزة في منتصف سبتمبر، في ما وصفه الجيش بأنه مرحلة حاسمة تهدف إلى تدمير البنية العسكرية للمقاومة وإخراجها من مدينة ذات كثافة سكانية عالية. قيادات عسكرية إسرائيلية صرّحت أن السيطرة على مراكز القرار الميداني والأنفاق ومخازن السلاح في قلب المدينة ستفقد الفصائل القدرة على العمل المنظم داخل القطاع.
على الأرض، ترافق الاقتحام البري مع غطاء جوي ومدفعي كثيف، ما أدى إلى دمار واسع في البنى التحتية السكنية وإلى موجات نزوح كبيرة تجاه الجنوب. تقارير منظمات رصد أظهرت توسعًا سريعًا لسيطرة القوات الإسرائيلية على مساحات شاسعة داخل المدينة، بينما أبلغت مصادر طبية عن سقوط عشرات القتلى والجرحى يوميًا وإضعاف قدرات المستشفيات بسبب نفاد الوقود والدواء.
التحليل الإسرائيلي يتبنّى مقولة مفادها أن تدمير «مراكز الجاذبية» داخل غزة — مراكز القيادة، الأنفاق، ومخازن السلاح — سيُنهي قدرة الفصائل على تنفيذ عمليات منظمة وكبيرة النطاق داخل المدينة والقطاع. وتستند هذه القراءة إلى خبرات سابقة في حروب حضرية، حيث يؤدي قطع الممرات اللوجستية واغتيال القيادات إلى تعطيل التنسيق وإضعاف القدرات القتالية على المدى القريب.
مع ذلك، ثمة تحفّظات ميدانية وقانونية. خبراء أمنيون يحذّرون من أن تفكيك البنية العسكرية «المحسوسة» لا يعني بالضرورة نهاية المقاومة كظاهرة؛ إذ أن الفصائل قادرة على التكيف بالانتقال إلى نماذج قتالية غير متماثلة (خلايا صغيرة، عمليات اختراق، نشاط خارجي من ساحات أخرى). كما أن التدمير الواسع يوسّع دائرة الاحتقان ويعزّز روافع التجنيد والشرعية الشعبية لعناصر جديدة.
من زاوية عملية، يبرز سيناريو واقعي: العملية قد تلحق ضربات قاصمة بالقيادات الميدانية والقدرات اللوجستية المؤقتة، وتحقق مكاسب أمنيّة تكتيكية تُقلّص قدرات الفصائل على العمل من بيئة حضرية مكتظة لفترات محددة. لكن تفكيك المقاومة «نهائيًا» يتطلب أكثر من عمل عسكري بحت؛ يحتاج إلى مسار سياسي واجتماعي وإلى حل لقضايا الجذور، وإلى قدرة على تفكيك الشبكات المدنية والسياسية التي تُغذي الحركة، وهو ما يبدو خارج نطاق خيار عسكري وحده.
وتقول المعطيات الميدانية إن العملية الإسرائيلية في قلب غزة قد تُضعف قدرات الفصائل وتجمع ضربة قاسية للبنية العسكرية داخل المدينة، إلا أن تقديرات الميدان والتاريخ تشير إلى أن «التفكيك النهائي للمقاومة» عبر عملية عسكرية واحدة يظل احتمالًا ضعيفًا ما لم يرافقه بناء سياسي واجتماعي شامل ومتبنٍ إقليمي ودولي لإعادة هندسة المشهد.