في تطور ميداني يعكس هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، كشفت مصادر ميدانية أن الحركة تخلت عن عدد من مقاتليها العالقين خلف ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو الخط الذي وضعته القوات الإسرائيلية مؤخرًا لتحديد نطاق وجودها المؤقت داخل قطاع غزة. المقاتلون الذين وجدوا أنفسهم في مناطق تمركز الجيش الإسرائيلي بعد انسحابه الجزئي، طالبوا قيادتهم بإخلائهم، إلا أن حماس – وفق المصادر – تجاهلت نداءاتهم، تاركة مصيرهم معلقًا وسط مفاوضات تجري حاليًا عبر الصليب الأحمر لإخراجهم بشكل إنساني.

تبدأ القصة منذ بدء تنفيذ وقف إطلاق النار، حين شرعت إسرائيل في رسم علامات صفراء ميدانية في المناطق الشرقية من غزة، لتحديد نطاق انتشار قواتها في مرحلة ما بعد العمليات العسكرية. هذا “الخط الأصفر” أصبح يمثل حدودًا رمزية بين المناطق التي انسحبت منها القوات، وتلك التي بقيت فيها لأغراض “أمنية مؤقتة”، بحسب التصريحات الإسرائيلية. غير أن الأحداث الميدانية سرعان ما أظهرت أن عشرات من مقاتلي حماس ما زالوا متواجدين خلف الخط، في مناطق تسيطر عليها إسرائيل فعليًا، بعد أن عُزلوا عن خطوطهم الخلفية خلال المعارك الأخيرة.

المقاتلون حاولوا التواصل مع قيادتهم عبر وسطاء ميدانيين لطلب الإخلاء، لكن مصادر في غزة أكدت أن الحركة رفضت التدخل، خشية أن يؤدي أي تحرك ميداني إلى انهيار الهدنة الهشة. وأضاف أحد المصادر أن “حماس تعتبر هؤلاء المقاتلين خارج نطاق السيطرة الميدانية، وأن أي محاولة لإنقاذهم تعني فتح جبهة جديدة داخل منطقة مراقبة إسرائيلية حساسة”، الأمر الذي جعلهم عالقين بين خطي النار.

من جهتها، رفضت إسرائيل السماح بخروجهم بشكل مباشر، مؤكدة أنها لن تسمح بمرور أي عنصر مسلح عبر نقاطها إلا تحت إشراف الصليب الأحمر الدولي وبضمانات أمنية. وتحدثت مصادر دبلوماسية في القاهرة عن وساطة يقودها الجانب القطري بالتنسيق مع مصر والصليب الأحمر لإيجاد ممر آمن لإخراج المقاتلين، على أن يتم ذلك بملابس مدنية ومن دون سلاح.

لكن المعضلة لا تقتصر على الإجلاء فحسب، إذ تؤكد مصادر فلسطينية أن عددًا من المقاتلين جرحى، وبعضهم قضى في الأنفاق أو المواقع المدمرة التي تُجرى فيها عمليات نسف إسرائيلية منذ أيام. وقد رفضت إسرائيل السماح لطواقم الإسعاف أو الدفاع المدني بالدخول إلى تلك المناطق، بحجة أنها “مناطق عمليات نشطة لتفكيك الأنفاق”، وهو ما زاد من تعقيد الموقف الإنساني.

ويرى مراقبون أن تخلي حماس عن مقاتليها في هذه المناطق يعكس أزمة داخلية في إدارة الحركة للملف الميداني بعد الحرب، إذ تشير التقارير إلى تراجع التنسيق بين الأجنحة العسكرية والميدانية، خصوصًا بعد الخسائر الكبيرة في البنية التنظيمية خلال الأشهر الماضية. ويذهب بعض المحللين إلى أن “الخط الأصفر” أصبح رمزًا لتصدّع الثقة بين المقاتلين والقيادة السياسية للحركة، التي تسعى حاليًا إلى الحفاظ على مكاسبها السياسية من الهدنة أكثر من اهتمامها بإعادة ترتيب صفوفها الميدانية.

في المقابل، تستخدم إسرائيل هذا الملف كورقة دعائية للتأكيد على أن حماس فقدت السيطرة على جزء من مقاتليها، وأنها عاجزة عن تنفيذ التزاماتها الأمنية في إطار اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في شرم الشيخ في 13 أكتوبر 2025. وصرّح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن “ما يجري خلف الخط الأصفر يثبت أن حماس لم تعد تسيطر على الوضع الميداني، وأن الجيش الإسرائيلي يحتفظ بحق العمل في المناطق الصفراء حتى استكمال إزالة التهديدات والأنفاق”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *