بعد عامين من الحرب المدمّرة التي اجتاحت قطاع غزة، أُعلن مؤخرًا عن وقفٍ لإطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل، لتطوى صفحة من أكثر الفصول دموية في تاريخ الصراع. إلا أن هذا الإعلان، رغم أهميته، لم يبدّد القلق ولا الخوف من أن تكون الهدنة مجرّد استراحة قصيرة قبل عودة العنف من جديد. وبينما تتنفس غزة الصعداء للمرة الأولى منذ شهور، يقف سكانها على مفترق طرق بين أمل السلام وهاجس الحرب.

في شوارع غزة المدمّرة، يتنقل الناس بين الركام، يبحثون عن بقايا منازلهم وعن ذكرياتهم المبعثرة. لا تزال مشاهد الدمار تهيمن على الأفق: أبراج سكنية تحولت إلى رماد، طرق مقطّعة، ومخيمات جديدة للنازحين. ورغم قسوة المشهد، فإن ما يثير الدهشة هو تمسّك الناس برغبة عارمة في الحياة، وإصرارهم على إعادة البناء. كثيرون يتحدثون اليوم عن ضرورة الالتزام بالورقة الموقّعة بين الجانبين، التي تنصّ على وقفٍ دائم للأعمال العسكرية وفتح المعابر وبدء عمليات الإعمار بإشراف دولي.

يقول محمود، مواطن فلسطين من غزة

“نحن لا نريد أن تعود الحرب. تعبنا من الدمار. نريد أن نعيش مثل باقي البشر، نزرع ونبني ونعيد أبناءنا إلى المدارس.”

لكنّ المشهد ليس موحدًا بالكامل. فبين الحنين إلى الاستقرار، هناك أصوات غاضبة ترى أن وقف إطلاق النار جاء دون تحقيق أهداف “معركة طوفان الأقصى”، وأن الثمن الذي دفعه الفلسطينيون كان أكبر من أي مكسب سياسي أو ميداني. هذه الفئة تخشى أن يكون الاتفاق تنازلًا جديدًا سيُكرّس واقع الحصار والاحتلال بدلًا من إنهائه.

ورغم تلك الانقسامات في الرأي، يبدو أن الأغلبية في غزة تميل إلى التمسك بالاتفاق، ليس اقتناعًا بجدواه السياسية، بل رغبةً في النجاة. فبعد آلاف القتلى والجرحى وملايين الأطنان من الأنقاض، لم يعد للناس طاقة على حرب أخرى. ووسط ندرة المياه، وغلاء الأسعار، وانهيار الخدمات، تبدو الحياة اليومية أشبه بصراع بقاء.

الورقة الموقّعة، التي تم التوصل إليها بوساطة إقليمية ودولية، تشمل بنودًا تتعلق بفتح المعابر الحدودية تدريجيًا، والسماح بإدخال مواد البناء، وتوسيع مناطق الصيد، إضافة إلى إطلاق سراح أسرى من الجانبين. ورغم أن التنفيذ ما زال بطيئًا، فإن كل خطوة صغيرة تُعدّ إنجازًا في نظر سكان القطاع الذين انتظروا طويلاً أي بارقة أمل.

وفي ظل هذه التطورات، تنشط منظمات محلية ودولية في إعداد خطط إعادة الإعمار، بينما يحذر خبراء اقتصاديون من أن نجاح العملية مرهون بالاستقرار الأمني والسياسي. فالمستثمرون والمانحون يخشون ضخّ الأموال في منطقة قد تشتعل من جديد في أي لحظة.

تقول مواطنة فلسطينية أحد النازحين من شمال القطاع:

“نريد فقط أن نعيش بسلام. لا نريد أن تعود الحرب، تعبنا من الموت. بدنا نبني ونعمر بيوتنا

تلك الكلمات تختصر حالة الغزيين اليوم: بين وجع الفقد وإصرار على الحياة. لقد أدرك الناس أن الحرب لا تعني إلا مزيدًا من الدمار، وأن السلام – مهما كان هشًا – هو الطريق الوحيد نحو المستقبل.

ومع مرور الأيام، تتطلع غزة إلى أن يكون وقف إطلاق النار هذه المرة مختلفًا، لا مجرد هدنة مؤقتة، بل بداية حقيقية لمرحلة جديدة من الإعمار والاستقرار. فالناس لا يريدون عودة الحرب، بل يريدون عودة الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *