تشهد الأوضاع في قطاع غزة تصعيداً جديداً مع استمرار الحرب الإسرائيلية وتعثّر المفاوضات غير المباشرة بين حركة حماس وإسرائيل، وحالة غضب واسعة في أوساط الفلسطينيين اتجاه قيادات حركة حماس، في وقت أعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مبادرة وصفها بـ”الصفقة الشاملة” تهدف إلى إنهاء الحرب عبر إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في غزة مقابل وقف العمليات العسكرية.
المبادرة الأمريكية، التي جرى الكشف عنها مساء أمس، تقضي بتسليم عشرين أسيراً إسرائيلياً محتجزين لدى حركة حماس إلى الجانب الإسرائيلي، على أن يتم وقف الحرب بشكل فوري وإتاحة المجال أمام ترتيبات إنسانية عاجلة في القطاع. ورغم أن المبادرة لم تتضمن تفاصيل أوسع حول القضايا الجوهرية كرفع الحصار وإعادة الإعمار، إلا أنها وضعت أساساً لوقف إطلاق النار قد يفتح الباب لاحقاً لمفاوضات أوسع.
لكن الصفقة تواجه تحديات كبيرة، إذ ترى أوساط فلسطينية أنها وتفتقر إلى ضمانات واضحة بشأن مستقبل القطاع، بينما تعتبرها إسرائيل فرصة لاستعادة أسراها،. أما حماس، فلم تصدر حتى اللحظة موقفاً رسمياً حاسماً، الأمر الذي يزيد من حالة الغموض والتوتر في الشارع الفلسطيني.
وداخل قطاع غزة، تتزايد معاناة السكان مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية التي خلّفت آلاف الشهداء والجرحى، فضلاً عن الدمار الواسع في البنية التحتية والنزوح الجماعي لمئات الآلاف. وفي هذا السياق، خرجت أصوات متزايدة من داخل القطاع تطالب قيادة حركة حماس بالموافقة على الصفقة، ولو بشروط صعبة، باعتبارها السبيل الوحيد لوقف شلال الدم وفتح ثغرة في جدار الأزمة.
مواطنون تحدثوا إلى وسائل الإعلام أكدوا أن الأولوية بالنسبة لهم هي “وقف الحرب وإنقاذ الأرواح”، حتى وإن كان ذلك على حساب ملفات أخرى يمكن التفاوض حولها لاحقاً. وعبّر بعضهم عن سخط متزايد تجاه قيادات الحركة المقيمين في الخارج، الذين يتهمونهم بعدم إدراك حجم المعاناة اليومية لسكان القطاع.
وفي هذا السياق، برز اسم القيادي البارز في حركة حماس خليل الحية، الذي وُجهت إليه انتقادات لاذعة من قبل نشطاء ومواطنين عبر منصات التواصل الاجتماعي. واتهمه البعض بعدم إبداء اهتمام كافٍ بحياة الفلسطينيين في غزة، وبتبني خطاب سياسي لا يراعي التضحيات الهائلة التي يقدمها المدنيون.
ويرى مراقبون أن هذا التململ الشعبي قد يشكل ضغطاً حقيقياً على الحركة لاتخاذ قرار سريع، خاصة مع اشتداد العمليات العسكرية الإسرائيلية التي ازدادت وتيرتها في الأيام الأخيرة، ما يعكس محاولة إسرائيلية لفرض وقائع جديدة على الأرض بالتزامن مع الجمود السياسي.
وميدانياً، تواصل إسرائيل تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق، تشمل غارات جوية وقصفاً مدفعياً واستهدافاً مكثفاً لمناطق سكنية في شمال ووسط القطاع. وتقول الحكومة الإسرائيلية إن هذه العمليات تأتي رداً على تعثر المفاوضات، وإنها تهدف إلى “زيادة الضغط على حماس لإجبارها على تقديم تنازلات”.
وفي المقابل، تعتبر الفصائل الفلسطينية أن هذا التصعيد محاولة إسرائيلية “لتقويض أي فرصة لوقف إطلاق النار”، مشيرة إلى أن إسرائيل تريد استعادة أسراها دون الالتزام برفع الحصار أو السماح بإعادة الإعمار.
مستقبل غامض
المشهد الراهن يعكس معادلة شديدة التعقيد: مبادرة أمريكية تفتقر إلى الضمانات، تصعيد إسرائيلي متواصل، وضغط شعبي متزايد في غزة يطالب حماس بالتحرك سريعاً نحو وقف الحرب. وفي ظل غياب موقف رسمي واضح من الحركة حتى الآن، يبقى مستقبل الصفقة معلقاً بين حسابات السياسة ومطالب الشارع.
لكن المؤكد أن استمرار الحرب يدفع بالقطاع نحو كارثة إنسانية غير مسبوقة، وأن أي تأخير في اتخاذ قرار قد يزيد من حجم الخسائر البشرية والمادية، وهو ما يجعل الأيام المقبلة حاسمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة