تواصلت المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع رغم الهدنة الإنسانية المعلنة لمدة 24 ساعة، جاء ذلك فيما تتسارع الجهود الإقليمية والدولية من أجل نزع فتيل الأزمة وسط دعوات لوقف القتال والسماح بتقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين، يأتي ذلك بينما دعا 13 من القيادات المدنية وقادة الحركات المسلحة البارزين قيادتي الجيش و«الدعم السريع» إلى تحكيم صوت العقل، وتغليب الحكمة ووقف الحرب واللجوء إلى حل القضايا بالحوار.
وأفادت مصادر محلية بأن طائرات عسكرية حلقت في سماء الخرطوم، كما سمع صوت إطلاق نار رغم الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ عند الساعة السادسة مساءً بالتوقيت المحلي.
وقالت قوات الدعم السريع في بيان: «رصدنا في أولى ساعات الهدنة المعلنة هجمات متفرقة على قواتنا في بعض المناطق بالخرطوم في منطقتي القيادة العامة وشرق النيل».
وتابعت: «نحن في قوات الدعم السريع أبدينا التزامنا الكامل للوساطة الأميركية والمجتمع الدولي والوسطاء بما تعهدنا به لأجل مرور المساعدات الإنسانية والطبية ووصول المرضى والجرحى إلى المستشفيات».
من جانبه، أكد الجيش السوداني أن الطائرات الحربية ستواجه محاولة قوات الدعم السريع دخول الخرطوم بحسم.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة: «لم نتلق أي مؤشرات على وقف القتال في السودان» رغم دخول الهدنة الإنسانية حيز التنفيذ».
وفي وقت سابق أمس، أعلنت قوات الدعم السريع والجيش السوداني، في بيانين منفصلين، الموافقة على وقف إطلاق النار لمدة 24 ساعة لفتح مسارات آمنة لعبور المدنيين وإخلاء الجرحى جراء الاشتباكات المندلعة بين الجانبين منذ 4 أيام.
وبحث وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، مع رئيس مجلس السيادة السوداني قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الحاجة الملحة لوقف إطلاق النار في السودان.
جاء ذلك في بيان نشرته وزارة الخارجية الأميركية فجر أمس، عقب اتصالين هاتفيين منفصلين أجراهما بلينكن مع البرهان وحميدتي.
وأوضح البيان أن بلينكن شدد في الاتصالين على الحاجة الملحة للتوصل إلى وقف إطلاق للنار للسماح بتقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين من القتال ولم شمل الأسر السودانية والتأكد من سلامة المجتمع الدولي في الخرطوم.
وأعرب بلينكن عن قلقه البالغ إزاء مقتل وإصابة العديد من المدنيين السودانيين جراء القتال المستمر والعشوائي، وفق البيان.
وشدد وزير الخارجية الأميركي على مسؤولية «البرهان وحميدتي» في ضمان سلامة المدنيين والموظفين الدبلوماسيين والعاملين في المجال الإنساني.
من جانبه، أكد حميدتي في تدوينة نشرت على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك أمس، إجراءه محادثة هاتفية مع بلينكن ناقشا فيها قضايا السودان الملحة.
وقال حميدتي في التدوينة: «أكدت من جديد التزامنا الراسخ بحماية المدنيين الأبرياء في مناطق سيطرتنا، ما يعكس احترامنا لكرامة الإنسان وقدسية الحياة».
وأردف: «ندرك التحديات الماثلة أمامنا ونقف بحزم ضد التطرف الذي يقوض تقدمنا نحو مجتمع عادل وديمقراطي، ورغم المشاركة المترددة في هذه الحرب، فمن الضروري حماية شعبنا والدفاع عن قيمنا».
وقالت مصادر سودانية مطلعة لـ«الاتحاد»: إن اتصال بلينكن بالطرفين حمل تحذيرات مشددة للطرفين حول مسؤوليتهما عن سلامة المدنيين والبعثات الدبلوماسية والعاملين في المجال الإنساني.
وعلى صعيد آخر، اجتمع 13 من القيادات المدنية وقادة الحركات المسلحة البارزين أمس، برعاية «اللجنة الثلاثية»، ودعوا قيادتي القوات المسلحة والدعم السريع إلى تحكيم صوت العقل وتغليب الحكمة ووقف الحرب فوراً، واللجوء لحل القضايا بالحوار لا عبر فوهات البنادق.
وقالت الدكتورة مريم الصادق المهدي وزيرة خارجية السودان السابقة ونائب رئيس حزب الأمة في تصريح لـ«الاتحاد»: إن الاجتماع حضرته قيادات قوى الحرية والتغيير «المجلس المركزي» و«الكتلة الديمقراطية»، ومن بينهم فضل الله برمة ناصر رئيس حزب الأمة وعمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي ووزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم، وأعضاء مجلس السيادة مالك عقار والهادي إدريس والطاهر حجر، وأضافت أن الجميع يستشعر خطورة الموقف ويخشى انزلاق السودان إلى ما لا تحمد عقباه.
وأعربت القيادات السودانية عن ترحيبها بالمبادرات المقدمة من «الآلية الثلاثية» والولايات المتحدة للتوصل إلى الهدنة المؤقتة، واستجابة الطرفين لها للوفاء بالاحتياجات الإنسانية، وأعربوا عن أملهم أن تتطور هذه المبادرات لوقف شامل لإطلاق النار في القريب العاجل، ودعوا جميع المكونات السياسية والمدنية والاجتماعية وكافة أطياف الشعب السوداني لنبذ كافة الخطابات التي تؤجج الحرب أو تثير النعرات العنصرية والجهوية، والنأي عن خطابات الكراهية، والعمل المشترك من أجل وقف الحرب فوراً وتغليب آليات الحوار في حل مشاكل السودان المعقدة، كما ناشدوا الأسرة الإقليمية والدولية لدعم جهود المكونات السودانية لوقف الحرب وعدم الانخراط في أي أعمال تدول الصراع أو تؤججه أو تزيد من حدته.
وفي السياق، دعت مجموعة الدول الصناعية السبع، أمس، إلى وقف فوري للأعمال العدائية في السودان دون شروط مسبقة.
وجاء في بيان مشترك نشر عقب اختتام اجتماعات وزراء خارجية مجموعة السبع بمدينة كارويزاوا وسط اليابان: «ندين بشدة القتال الدائر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، الذي يهدد أمن وسلامة المدنيين السودانيين ويقوض الجهود المبذولة لاستعادة الانتقال الديمقراطي في السودان».
وحثت مجموعة السبع الطرفين على وقف الأعمال العدائية على الفور دون شروط مسبقة، وفق البيان.
ودعت جميع الأطراف إلى نبذ العنف والعودة إلى المفاوضات، واتخاذ خطوات فعالة للحد من التوترات وضمان سلامة جميع المدنيين، بمن فيهم الموظفون الدبلوماسيون والعاملون في المجال الإنساني.
إجلاء عدد من المحتجزين في جامعة الخرطوم
لا يزال عدد من الطلاب والعمال عالقين داخل حرم جامعة الخرطوم، لليوم الثالث على التوالي، جرّاء القتال الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وناشدت الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم جميع المؤسسات والمنظمات الإنسانية لإجلاء العالقين داخل حرم الجامعة، فيما قالت وسائل إعلام محلية إنه جرى إجلاء 66 محتجزاً منهم بالفعل، حيث وصلوا إلى حي «المزاد» في العاصمة، فيما لا يزال هنالك 22 آخرون في حرم الجامعة، إذ يبلغ العدد الإحمالي لهم 88 محتجزاً بينهم 20 عاملاً و5 طالبات. وتقع الجامعة في موقع قريب من وزارة الدفاع ومقر القيادة العامة للقوات المسلحة والقصر الجمهوري، وهي منطقة تشهد قتالاً عنيفاً بالأسلحة الثقيلة فضلاً عن قصف جوي بين حين وآخر ما يجعل خروج العالقين فيها أمراً في غاية الصعوبة ما لم تسر هدنة حقيقية وتفتح لهم ممرات آمنة. وتوفي أحد الطلاب المحتجزين فيما أصيب آخر بإصابة بالغة الخطورة، إثر تبادل إطلاق النار المتواصل في المنطقة المحيطة بالجامعة.
ألمانيا تسحب رعاياها
يستعد الجيش الألماني لدعم وزارة الخارجية الألمانية في حالة إجلاء رعايا ألمان عسكرياً، وقال متحدث باسم قيادة العمليات في برلين «الجيش الألماني لديه قوات متخصصة تستعد باستمرار لسيناريو عملية الإجلاء، وهي في وضع الاستعداد بشكل دائم».
وكجزء من الاستعداد الوطني للتأهب للأزمات، يمتلك الجيش الألماني قدرات لإجلاء الألمان، كما يوفر جنوداً لفرق الدعم في أوقات الأزمات التي تقدم المشورة للسفارات الألمانية في حالات الأزمات. وبحسب متحدثة باسم الخارجية الألمانية أمس، فإن قائمة ما يسمى بالتأهب للأزمات الخاصة بالوزارة تتضمن عدداً منخفضاً في فئة المئات من الرعايا الألمان في السودان، وقال المتحدث باسم قيادة العمليات العسكرية الألمانية إنه «يتم إعداد الدعم لاحتمال إعادة ألمان وأشخاص آخرين مشمولين بالحماية إلى البلاد»، موضحاً أنه لأسباب تتعلق بأمن العمليات، لن يتم الإدلاء بتفاصيل عن حجم وأفراد ومواد قوات الإجلاء المحتملة للجيش الألماني، وأضاف «إجراءات ومسارات عمليات الإخلاء تمارس بشكل منتظم ويتم تطويرها في الجيش».